ذاكرة الأيام | 4 سبتمبر.. يومٌ من تاريخ موريتانيا إلى ذاكرة رواندا وسيناء

الريادة: ليست كل الأيام متشابهة في دفتر التاريخ؛ فبعضها يمرّ عابرًا، وبعضها يترك خلفه أسئلةً وقراراتٍ وصراعاتٍ تستمر آثارها لعقود. وفي الرابع من سبتمبر، تتقاطع في الذاكرة محطات موريتانية وإفريقية وعربية، تبدأ من نواكشوط وما حولها، حيث كانت البلاد تخوض آخر مراحل بناء قرارها السياسي في ظل الاستعمار الفرنسي، وتمتد إلى رواندا، حيث وصل القضاء الدولي إلى واحدة من أبرز محطاته في محاسبة المسؤولين عن الإبادة، ثم إلى سيناء، حيث حاولت الدبلوماسية أن تفتح طريقًا للخروج من دائرة الحرب العربية الإسرائيلية.

وفي الخلفية، تحضر محطات أخرى من تاريخ العالم؛ من إعلان الجمهورية الفرنسية الثالثة، إلى أزمات وحروب تركت آثارًا عميقة في ذاكرة الشعوب، لتكشف ذاكرة هذا اليوم عن خيط واحد يصل بين أزمنة مختلفة: دولٌ تبحث عن موقعها، وشعوبٌ تصارع من أجل تقرير مصيرها، ومجتمعاتٌ تحاول أن تتجاوز جراح الحروب والإبادة.

1958.. موريتانيا بين الاستقلال والدفاع عن القرار الوطني

في 4 سبتمبر 1958، كانت موريتانيا تعيش مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي، قبل أقل من عامين على الاستقلال، وفي وقت كانت فرنسا تعيد صياغة علاقتها بمستعمراتها الإفريقية من خلال مشروع «المجموعة الفرنسية».

وكانت البلاد قد شهدت قبل ذلك بيومين اجتماعًا للجنة التنفيذية لـحزب التجمع الموريتاني في أطار، برئاسة المختار ولد داداه، انتهى إلى تأييد التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء الدستوري الفرنسي، مع إعادة التأكيد على انتماء موريتانيا إلى المجموعة الفرنسية الإفريقية، والتمسك في الوقت نفسه بحقها في الاستقلال الوطني.

لكن الرابع من سبتمبر حمل محطة أخرى أكثر دلالة على طبيعة الصراع السياسي الداخلي في تلك المرحلة.

ففي هذا اليوم، رفض رئيس الإقليم تسليم وصل تسجيل حزب النهضة، الذي كان قد تأسس قبل أيام، وكان يتبنى خطابًا أكثر استعجالًا في مسار إنهاء الاستعمار، ويدعو إلى تقرير المصير ورفض ما اعتبره الحزب ترتيبات مفروضة على مستقبل البلاد.

وبذلك لم يكن الرابع من سبتمبر 1958 مجرد يوم عادي في مسار التحضير للاستفتاء؛ بل كان يعكس التباين بين تيارات سياسية موريتانية حول سرعة إنهاء الاستعمار، وشكل العلاقة مع فرنسا، ومن يملك حق تحديد مستقبل البلاد.

وفي اليوم نفسه، كان المختار ولد داداه في طريقه إلى تيجكجة، بينما كانت التطورات السياسية في الداخل تتزامن مع تحركات إقليمية واسعة حول مستقبل موريتانيا والصحراء.

1958.. موريتانيا في قلب صراع إقليمي على الهوية والحدود

لم تكن التطورات الموريتانية تجري بمعزل عن محيطها المغاربي.

فبين 3 و5 سبتمبر 1958، انعقد في الرباط مؤتمر حول «موريتانيا والصحراء»، وسط حضور مغربي وموريتاني، في وقت كان المغرب يطرح تصورًا يعتبر موريتانيا والصحراء جزءًا من مجاله التاريخي، ويسعى إلى تدويل القضية. وتكشف وثائق تلك الفترة عن حجم التنافس السياسي الذي أحاط بمستقبل البلاد قبل الاستقلال.

وفي 4 سبتمبر تحديدًا، كان هذا المؤتمر منعقدًا في الرباط، بينما كانت فرنسا تدفع باتجاه استفتاء يحدد مستقبل أقاليمها الإفريقية ضمن مشروع «المجموعة الفرنسية».

وفي باريس أيضًا، وقف الجنرال شارل ديغول في ساحة الجمهورية في اليوم نفسه ليعرض مشروع الدستور الفرنسي الجديد، الذي منح أقاليم ما وراء البحار خيار الانضمام إلى «المجموعة» أو رفضها، مع الإقرار بإمكانية أن يتولى كل إقليم مستقبلاً مصيره بصورة مستقلة.

وهكذا بدت موريتانيا، في الرابع من سبتمبر 1958، واقفة عند تقاطع ثلاثة مسارات: إصلاح العلاقة مع فرنسا، والصراع الإقليمي حول مستقبلها، وبروز تيارات وطنية تتباين في رؤيتها لطريق الاستقلال.

1975.. سيناء تفتح بابًا جديدًا للدبلوماسية

بعد سبعة عشر عامًا، انتقلت ذاكرة الرابع من سبتمبر إلى الشرق الأوسط.

ففي 4 سبتمبر 1975، وقّعت مصر وإسرائيل في جنيف اتفاقية سيناء الثانية، في إطار مسار فك الاشتباك الذي أعقب حرب أكتوبر 1973.

ونص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي إضافي من مناطق في سيناء، وإنشاء منطقة عازلة تشرف عليها قوات الأمم المتحدة، كما تعهد الطرفان بألا يكون اللجوء إلى القوة أو التهديد بها وسيلة لحل النزاع، وأن يستمرا في السعي إلى تسوية نهائية عبر المفاوضات.

كانت الاتفاقية خطوة مهمة في مسار طويل انتهى لاحقًا إلى توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

لكنها في حينها أثارت نقاشًا عربيًا واسعًا، لأنها عكست انتقال مصر تدريجيًا من إدارة الصراع عسكريًا إلى محاولة استعادة الأرض عبر التفاوض والدبلوماسية.

1998.. القضاء الدولي يضع أحد مسؤولي رواندا أمام العدالة

وفي 4 سبتمبر 1998، دخل التاريخ الدولي للمحاكمات الجنائية مرحلة جديدة، عندما أصدر المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا حكمًا بالسجن المؤبد على جان كامباندا، رئيس الوزراء الرواندي السابق.

وكان كامباندا قد أقر في مايو 1998 بذنبه في ست تهم، من بينها الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، ليصبح أول رئيس حكومة يُدان أمام محكمة دولية بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية.

وجاء الحكم بعد سنوات قليلة فقط من الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، التي خلفت مئات الآلاف من الضحايا.

ولم تكن أهمية الحكم مرتبطة بشخص كامباندا وحده، وإنما بالرسالة التي حملها: أن المسؤولية عن الجرائم الجماعية لا تنتهي بسقوط الأنظمة أو انتهاء الحروب، وأن المناصب السياسية لا تمنح حصانة أمام العدالة الدولية.

وقد وصف المدعي العام للمحكمة آنذاك الحكم بأنه من أهم الخطوات في مواجهة ثقافة الإفلات من العقاب في رواندا وخارجها.

1870.. فرنسا تطوي صفحة الإمبراطورية الثانية

وفي يوم 4 سبتمبر 1870، شهدت فرنسا حدثًا غيّر نظامها السياسي لعقود؛ فقد أُعلنت الجمهورية الفرنسية الثالثة عقب سقوط الإمبراطورية الثانية، في أعقاب هزيمة نابليون الثالث وأسره في الحرب الفرنسية البروسية.

والمفارقة التاريخية أن المكان نفسه، ساحة الجمهورية في باريس، سيشهد بعد 88 عامًا خطاب شارل ديغول في 4 سبتمبر 1958، حين عرض مشروع الدستور الذي مهّد لقيام الجمهورية الفرنسية الخامسة.

وهكذا جمع التاريخ في اليوم نفسه، وفي المكان ذاته تقريبًا، بين ولادة جمهورية وسعي جمهورية أخرى إلى إعادة تشكيل نظامها السياسي.

1957.. أزمة الحقوق المدنية تصل إلى مدرسة في أركنساس

وفي 4 سبتمبر 1957، تفجرت في الولايات المتحدة واحدة من أشهر أزمات حركة الحقوق المدنية، عندما استُخدم الحرس الوطني في ولاية أركنساس لمنع طلاب سود من الالتحاق بمدرسة «ليتل روك سنترال هاي».

وأصبحت الأزمة رمزًا للصراع حول إلغاء الفصل العنصري في المدارس، وللدور الذي اضطلعت به السلطات الفدرالية في فرض قرارات إلغاء التمييز العنصري.

وبذلك لم يكن الرابع من سبتمبر يومًا لتسجيل الأحداث السياسية فقط، بل كان أيضًا شاهدًا على صراع طويل حول المساواة والحقوق المدنية.

4 سبتمبر.. يومٌ تتجاور فيه خرائط الاستقلال والحرب والعدالة

من أطار وتيجكجة والرباط سنة 1958، إلى سيناء سنة 1975، ثم إلى رواندا سنة 1998، تتبدل الأمكنة والسنوات، لكن الأسئلة الكبرى تبقى متقاربة.

في موريتانيا، كان السؤال عن من يحدد مستقبل الدولة.

وفي الشرق الأوسط، كان السؤال عن إمكانية استعادة الأرض عبر التفاوض بدل الحرب.

وفي رواندا، كان السؤال عن كيفية محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجماعية.

وفي كل هذه المحطات، يظهر الرابع من سبتمبر بوصفه يومًا تتقاطع فيه إرادة الشعوب في تقرير مصيرها مع صراع الدول على النفوذ، ومحاولات المجتمع الدولي البحث عن طرق للخروج من الحروب ومواجهة آثارها.

إنها ذاكرة يومٍ واحد، لكنها تختصر صفحات كاملة من تاريخ الاستقلال والصراع والعدالة.