
مشهد من فيلم طلق صناعي
في أول مشهد من «طلق صناعي» يحدد الفيلم زمنه بـ14 شباط (فبراير) عام 2013، ومع نهاية ثلثه الأول حين يشتد الخلاف بين السفير الأميركي (الممثل التونسي نجيب بلحسن)، و «اللواء حافظ» (سيد رجب)، يُفهم أن الأول اتصل برئيس الجمهورية لمنع اقتحام قوات الأمن للسفارة، وسرعان ما يتلقى الثاني اتصالاً فيرن هاتفه بنغمة «بشرة خير» لحسين الجسمي.
الزمـــن محدد في البداية شباط 2013 بينما نغمة «هاتف اللواء» أغنية لم تصدر إلا عام 2014!
بهذه الطريقة تسقط من الفيلم تفاصيل كثيرة، على رغم أنه اشتغل على قضية مضمونة، وعالجها في قالب درامي مشوق حيث يضطر «حسين» (ماجد الكدواني) إلى احتجاز رهائن في مقر السفارة الأميركية إلى أن تلد زوجته ويضمن منح الجنسية لطفلهما.
أرض الأحلام
نعرف ان فكرة الهجرة إلى أميركا، عولجت سينمائياً من زوايا مختلفة وفي أفلام عديدة، منها فيلم «أرض الأحلام» لفاتن حمامة وداود عبدالسيد، و «أميركا شيكا بيكا» لخيري بشارة وهي في أي حال لا تحتاج إلى تأريخ محدد، لأنها منذ عقود كانت وما زالت هاجساً يتردد صداه في صفحات التواصل الاجتماعي، مثلما في قصص قوارب الموت. من ثم لا قيمة للإشارة بأن زمن الأحداث يعود إلى عام حكم مرسي، إلا كحل رقابي لتبرير سوء الأوضاع الأمنية واحتيال الشباب للهجرة بأي ثمن!
كذلك فكرة احتجاز رهائن رائجة سينمائياً، كما في أفلام «عصر يوم قائظ» لآل باتشينو، «المفاوض» 1998 لصمويل إل جاكسون، و «جون كيو» 2002 لدينزل واشنطن، وعربياً قدمها عادل إمام في «الإرهاب والكباب» 1992.
إذاً يملك الفيلم قضية مهمة لقطاعات كبيرة من الشباب تتعلق بحلم الهجرة، والانتماء، والغضب من الواقع المعيش. واستعان مخرجه خالد دياب الذي شارك في الكتابة مع محمد وشيرين دياب، بقالب درامي جذاب يطرح تساؤلات كثيرة حول أخلاقية ما قام به الجاني؟ هل سيتم التفاوض معه أم لا؟ وهل سينال الطفل حقاً الجنسية الأميركية؟ لكن الرهان الأساسي كان دائماً على كيفية المعالجة، ومدى انسجام القضية مع قالبها الفني.
رسائل متضاربة
من اللافت في الفيلم قبل أي شيء آخر أن «السفير الأميركي» يبدو حريصاً على أرواح الأميركان المحتجزين، بينما «اللواء» المصري يتصرف برعونة واستخفاف، وكل ما يهمه إنهاء الاحتجاز بأي ثمن.
السفير يعتذر للجاني هاتفياً فيعلق «اللواء» ساخراً: «تعتذر له!.. هاتبوظ الشعب»! كما يقول له: «لو أنتو مش خايفين ع المصريين اللي جوه… إحنا خايفين ع الأميركان».
هذه واحدة من أهم الرسائل، حيث يتصرف السفير باحترام وحرفية، واللواء المصري يتعامل باحتقار وتهور. ورغم تباين الموقفين، يقول له اللواء إنه «الفرق بينا وبينكوا أن شعركو أصفر وعينيكو خضرا»!
كأن ثمة رسالة تدين سوء التعامل الأمني مع المواطنين، كما حدث مع المحامي «عبدالفتاح» (بيومي فؤاد)، الذي لم تشفع له حصانته كمحامٍ، من جره بملابسه الداخلية وتعذيبه، لأنه كان وراء فكرة الولادة في السفارة. تقابلها رسالة أخرى مضادة، تدعو الناس ألا تنخدع بالكلام الأميركي المعسول، وأن تثق في قدرات الجهاز الأمني وبطولاته!
أيضاً لم يناقش الفيلم تعقيدات الحصول على التأشيرة، وما تتطلبه من إجراءات أمنية- على حساب الحرية واحترام الخصوصية- تصل أحياناً إلى حد «المهانة»… بالعكس سعى إلى إثبات عدم استحقاق المصريين لها، لأنهم جميعاً «محتالون»، فهناك الشاب الذي يدّعي أنه طبيب (مصطفى خاطــر)، وآخــر يدّعي أنه مضطهد دينياً بعدما تحول إلى المسيحية (محمد جمال قلبظ)، وثالث ادعى أنه مثلي الجنس (محمد علاء). وهو المنطق الذي ردده موظف السفارة «أندرو» (أكرم الشرقاوي) بأنه «يشم كدب المصريين من على بعد كيلو!» تقريباً لم يوجد نموذج واحد جدير بالتأشيرة!
وعندما يسأل السفيرُ اللواءَ عن عدم حضور وزير الداخلية، وهو الأمر الطبيعي، يخبره بأنه مكلف بالنيابة عنه لأن هناك «تعديلا وزاريّا»… ثم في منتصف الفيلم يأتي رئيس الوزراء بنفسه! فكيف يعيق التعديل الوزاري حضور الوزير ولا يمنع حضور رئيس الحكومة نفسه؟!
لنصل إلى شحن الشعب في شكل غوغائي بناء على تداول كليب يحكي فيه «حسين» عن قصته، فتأتي المظاهرات لاقتحام السفارة، وهنا يساوم اللواء السفير بعدما أصبح في موقف أقوى منه للمرة الأولى، ويطلب منه خطاب شكر مقابل التعامل مع المتظاهرين.
وعلى رغم أن السفير طلب قبل ذلك عدم السماح للزوجة «هبة» (حورية فرغلي) بالولادة داخل السفارة مهما كان الثمن، يعود فيطالب بوقف المهمة فور أن ولدت طفلها الأول بالداخل، لأنه «لو في احتمال واحد في المليون يكون الطفل أميركيّا مانقدرش نخاطر بحياته».
وهكذا عرضت رسائل كثيرة متضاربة. لكن تحت تأثير طابعها الشعبوي، يجد المشاهد نفسه مستلباً، لا يفكر في سلامة منطقها. فهل يُعقل مثلاً في حادث اختطاف استغرق بضع ساعات، أن يتم توزيع كليب للخاطف على مواقع التواصل، وعرض برامج تلفزيونية عنه، وتنظيم مظاهرات وكتابة لافتات ضد أميركا، ووصول المتظاهرين إلى مقر السفارة لاقتحامه؟
أساس التشوش هنا يعود إلى محاولة صناع الفيلم المواءمة مع المعايير الرقابية، وكيفية تمرير جرعة النقد.. وكذلك عدم إدراك طبيعة السلطة التي يتمتع بها السفير الأميركي، وحدود السلطة المتاحة لمدير الأمن، وهي منطقة ثرية درامياً، لولا المعالجة الهزلية في رسم شخصية اللواء. ففي المجمل كان السفير صاحب السلطة واللواء، مجرد أداة لتنفيذ الأوامر، في شكل هزلي مهين، حيث لم يظهر وهو يدير غرفة عمليات حقيقية.
شيطان التفاصيل
تصدق على الفيلم مقولة إن «الشيطان يكمن في التفاصيل»، فعلى مستوى الشخصيات والأداء، معظم هذه الشخصيات لم تأخذ حقها، بما في ذلك شخصية الزوجة «هبة» شديدة السطحية، يُضاف إلى ذلك أن الحادث الذي تعرضت له حورية فرغلي أثر سلباً على تعبيرات وجهها. حتى شخصية بيومي فؤاد الجيدة عمومًا، تفاوت المكياج المعبر عن تعذيبها! ولم يكن هناك أي داعٍ لشخصية مي كساب بإنكليزيتها الركيكة التي لا تقول أي شيء سوى الاستظراف.
كذلك شخصية «حسين» في انتقالاته غير المبررة، فهو في أوقات يهزل باستخفاف في وقت الجد، وأيضاً يقود زوجته وطفله المنتظر في لعبة خطرة لا تثير التعاطف معه ولا تجعله بطلاً قومياً كما تقول النهاية. وفي أحد المشاهد يقول «سعيد» (مصطفى خاطر): «مش كنت طلبت كباب، ولا هيقولواعلينا بنقلد!» في إشارة إلى «الإرهاب والكباب»… هذا «الأفيه» يكسر الإيهام، كأن ما يراه المشاهد ليس سوى مجرد «فيلم» يقلد فيلماً آخر!
وبصفة عامة تأرجح الفيلم بين الجد، والهزل المبتذل، ومنها أفيهات «عصام الشوالي وجورج قرداحي» ما أفقده إيقاعه الداخلي المقنع. وانعكس هذا على الموسيقى التي بدت عموماً بعيدة عن طبيعة المشاهد.
وصولاً إلى نهاية تحاول إرضاء الجميع، فالحامل أنجبت طفلاً داخل السفارة بات في رعاية الأميركان، وطفلاً آخر في سيارة الإسعاف المصرية أصبح في عهدة المصريين. الزوجة نقلت في الإسعاف، والزوج في سيارة الشرطة لمحاكمة عادلة تحت ضغط الشعب، وحين تلاحقه أسئلة وسائل الإعلام يرد بكلمة تليق ببطل قومي: «أنا مطمن.. مش خايف على عيالي»! مع صياحات الحشود:




