
جاء المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني في مرحلة سياسية واقتصادية وإقليمية تتسم بحساسية بالغة، في ظل تحولات متسارعة تشهدها المنطقة والعالم، وما تفرضه من تحديات أمنية وتنموية واقتصادية. لذلك، لم يكن هذا اللقاء مجرد مؤتمر صحفي اعتيادي، بل مثل محطة سياسية ومؤسسية مهمة حملت جملة من الرسائل والدلالات التي تستحق التوقف عندها.
أولاً: ترسيخ نهج المكاشفة والشفافية
شكّل ظهور رئيس الجمهورية أمام وسائل الإعلام الوطنية والدولية، وإجابته المباشرة على مختلف الأسئلة دون استثناء، تجسيداً لنهج يقوم على الانفتاح والوضوح. فالتواصل المباشر مع الرأي العام يعزز الثقة بين الدولة والمواطن، ويكرس ثقافة الشفافية باعتبارها إحدى ركائز الحكامة الرشيدة، كما يعكس ثقة القيادة في قدرتها على شرح السياسات العمومية وتبرير الخيارات المتخذة.
ثانياً: تكريس دولة القانون والمؤسسات
من أبرز الرسائل التي حملها المؤتمر تأكيد الرئيس أن مكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً أو وسيلة لتصفية الحسابات، وإنما مسار مؤسسي تحكمه الأدلة والقضاء المستقل. وهذا الطرح يعكس تمسك الدولة بمبدأ سيادة القانون، واحترام قرينة البراءة، ورفض إصدار الأحكام خارج المؤسسات القضائية المختصة، بما يعزز استقلالية السلطات الدستورية ويصون هيبة القضاء.
ثالثاً: الموازنة بين حرية التعبير والمسؤولية
أكد رئيس الجمهورية أن حرية التعبير حق دستوري لا نقاش فيه، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة التمييز بين النقد المسؤول وبين التشهير أو خطاب الكراهية أو المساس بالوحدة الوطنية. وتبرز هنا رؤية تعتبر أن الديمقراطية لا تقوم على إطلاق الحريات فحسب، وإنما على ممارستها في إطار القانون، بما يحفظ كرامة الأفراد ويحمي السلم الأهلي ويعزز التماسك الاجتماعي.
رابعاً: أولوية التنمية وتحسين الظروف المعيشية
خصص المؤتمر حيزاً مهماً للقضايا الاقتصادية والاجتماعية، حيث استعرض الرئيس ما تحقق في مجالات البنية التحتية، والتشغيل، والاكتتاب في الوظيفة العمومية، إضافة إلى آفاق استغلال موارد الغاز والثروات الطبيعية. ويعكس ذلك إصرار الدولة على جعل التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين محوراً أساسياً للعمل الحكومي، مع الحرص على توجيه الموارد الوطنية نحو مشاريع ذات أثر مباشر على حياة المواطنين.
خامساً: تعزيز الثقة في المؤسسات الدستورية
حملت إجابات الرئيس دعوة واضحة إلى الاحتكام للمؤسسات الدستورية والقانونية في معالجة مختلف القضايا الوطنية، سواء تعلق الأمر بالقضاء أو بالإدارة أو بالهيئات الرقابية. ويؤكد هذا التوجه أن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق إلا من خلال مؤسسات قوية ومستقلة، تعمل وفق القانون بعيداً عن الشخصنة أو منطق الولاءات.
سادساً: رؤية متكاملة للاستقرار والإصلاح.
سياسياً، أتاح المؤتمر فرصة لاستعراض حصيلة السنوات الماضية، وإبراز ما تحقق في مجالات الأمن والاستقرار، وتعزيز الحوار السياسي، وتطوير الإدارة، وترسيخ مبادئ المواطنة والمساواة. كما قدم الرئيس تصوراً لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، مؤكداً أن موريتانيا ماضية في نهج الإصلاح التدريجي، والمحافظة على أمنها واستقرارها، وتعزيز مكانتها كشريك موثوق على المستويين الإقليمي والدولي.
سابعاً: خطاب يعكس الثقة في المستقبل.
من خلال مجمل إجاباته، بدا الرئيس حريصاً على بث رسائل طمأنة للمواطنين وللشركاء الخارجيين، مفادها أن موريتانيا تمتلك رؤية واضحة لمستقبلها، وأنها تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ الديمقراطية، وتعزيز التنمية، وصيانة الأمن والاستقرار، رغم ما يحيط بها من أزمات إقليمية ودولية متلاحقة.
و في الختام، يمكن القول إن هذا المؤتمر الصحفي تجاوز كونه مناسبة للإجابة على أسئلة الصحفيين، ليشكل خطاباً سياسياً متكاملاً يعكس فلسفة الحكم في المرحلة الراهنة. فقد جمع بين المصارحة والواقعية، وبين الدفاع عن دولة القانون، والتأكيد على أولوية التنمية، والدعوة إلى صون الوحدة الوطنية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات، وما يواجهه العالم من تحديات اقتصادية وأمنية متشابكة، بدا المؤتمر رسالة مفادها أن موريتانيا اختارت أن تواجه هذه التحديات بمنطق الدولة، وبالاحتكام إلى المؤسسات، وبالاستثمار في الاستقرار والتنمية، وهي مقومات تظل الأساس لبناء مستقبل أكثر ازدهاراً وأمناً.
بقلم د. محمد الأمين ولد اسويلم




