العربية في ديوان الوزير.. أين الإقصاء؟/ بقلم الكاتب الصحفي محمد نعمه عمر


قرأت رد السيدة الفاضلة النانة منت محمد لغظف على الكاتب موسى ولد أبنو، حول الجدل اللغوي القديم الذي أحياه تعميم وزير الثقافة. وأتفهم حرصها على الوحدة الوطنية وخشيتها من أن يشعر بعض الموريتانيين بالتهميش بسبب لغة تكوينهم. لكنني توقفت عند المسافة بين ما طلبه الوزير، وما أُثير حوله من حديث عن الإقصاء.

لنعد إلى التعميم نفسه: المطلوب أن تكون المراسلات والمذكرات والتقارير والوثائق الموجهة إلى ديوان الوزير باللغة العربية. فهل يعني ذلك منع الفرنسية في جميع مصالح الوزارة؟ وهل ألزم التعميم هذه المصالح بالتخلي عنها في كل أعمالها ومراسلاتها؟ بحسب مضمونه، المنشور لم يذهب إلى ذلك. لقد حدد وجهة الوثائق المعنية، وهي ديوان الوزير، ومخاطبة مسؤولي القطاع بهذا الطلب لا توسّع نطاقه إلى ما لم ينص عليه.

من هنا يأتي السؤال: أين الإقصاء في أن يطلب وزير مخاطبة ديوانه باللغة الرسمية للبلد؟ وإذا كان من الطبيعي أن تُقدم إليه الوثائق بلغة يفهمها ويستطيع من خلالها متابعة عمل قطاعه، كما أن اعتماد العربية يجد سنده أيضًا في مكانتها الدستورية. ولا أرى كيف يصبح استعمالها مدعاة للريبة، أو كيف يُفهم منه تلقائيًا موقف عدائي من الفرنسية أو ممن تعلموا بها.

لا أحد ينكر أن الفرنسية لغة تكوين وعمل لدى عدد كبير من الموريتانيين، وأن بينهم كفاءات خدمت البلد وتواصل خدمته. ومن واجب الإدارة أن تستفيد من خبراتهم، وأن توفر ما يلزم من ترجمة وتأهيل لتيسير العمل. لكن طلب نسخة عربية من تقرير لا ينتقص من كفاءة صاحبه، ولا يمس مواطنته، ولا يعني أن مكانه في الإدارة أصبح موضع تشكيك.
وأتفق مع السيدة النانة في أهمية تعلم اللغات والانفتاح على العالم. فهذا مكسب لأبنائنا ولبلدنا، ومن المفيد أن يتقن الموريتاني العربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها. غير أن هذا أمر، وتحديد لغة المراسلات الموجهة إلى ديوان الوزير أمر آخر. لم يتناول التعميم تدريس الفرنسية، ولم يطلب من أحد أن يتوقف عن تعلمها أو التحدث بها.

ولعل ما يثقل هذا النقاش هو أننا لا نقرأ الإجراءات اللغوية وحدها، بل نقرأ معها تاريخًا طويلًا من الخلاف والمخاوف. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال، أثار تدريس سويعات من العربية اعتراضات واسعة، وصولًا إلى احتجاجات 1966 على جعلها مادة إلزامية في التعليم الثانوي. ولا يصح اختزال مواقف الناس اليوم في تلك الأحداث، أو تحميل مكون وطني مسؤوليتها، لكن من المشروع أن نتساءل عن استمرار هذا التوجس كلما اتُّخذت خطوة لتعزيز حضور العربية.

لقد مضت عقود، وما زال إجراء محدود كهذا يستدعي مخاوف كبيرة. أليس من حق العربية أن تأخذ مكانها في الإدارة دون أن يضطر المدافعون عنها، في كل مرة، إلى إثبات أنهم لا يريدون إقصاء أحد؟ وأليس ممكنًا أن نحترم لغة تكوين الموظف، ونطلب منه في الوقت نفسه أن يقدم وثائق العمل باللغة الرسمية، مع توفير المساعدة اللازمة لذلك؟

العربية، مثل البولارية والسوننكية والولفية، جزء من موروثنا الوطني المشترك. والعناية بها ينبغي أن توازي تطوير بقية لغاتنا الوطنية وصون حقوق المتحدثين بها. ويمكننا أن نختلف في وسائل تحقيق ذلك، وأن نناقش الترجمة والتكوين ومهلة التنفيذ، دون أن نجعل كل خطوة في هذا الاتجاه تهديدًا للوحدة الوطنية.

لهذا أرى أن وصف التعميم بالإقصاء يحتاج إلى ما يسنده من نصه أو من طريقة تطبيقه. أما ما بين أيدينا، فهو طلب بأن تكون الوثائق الموجهة إلى ديوان وزير بالعربية. ومن الصعب أن نفهم كل هذه الضجة ما لم نُحمّل هذا الطلب مواقف ونوايا لم يعبّر عنها.

م نعمة ولد عمر