
الريادة: في فجر يوم الأربعاء 23 يوليو/تموز 1952، استيقظ المصريون على وقع تحرك عسكري قاده تنظيم الضباط الأحرار داخل الجيش، في عملية محكمة استهدفت السيطرة على المقرات العسكرية ومراكز القيادة في القاهرة. ومع حلول الساعة السابعة والنصف صباحًا، أذيع البيان الأول للحركة بصوت الضابط أنور السادات، معلنًا أن الجيش تحرك “لتطهير البلاد من الفساد”، إيذانًا ببدء واحدة من أهم المحطات في تاريخ مصر الحديث.
وخلال الساعات التالية، أحكم الضباط سيطرتهم على مفاصل الدولة دون مواجهات واسعة، بينما وجد الملك فاروق نفسه أمام واقع سياسي جديد. وبعد ثلاثة أيام، في 26 يوليو 1952، تنازل الملك عن العرش لنجله الطفل أحمد فؤاد الثاني، وغادر مصر على متن اليخت الملكي “المحروسة” متجهًا إلى إيطاليا، منهياً بذلك حكم أسرة محمد علي الذي استمر نحو 150 عامًا.
ولم تتوقف تداعيات الثورة عند إسقاط النظام الملكي، بل شرعت القيادة الجديدة في تنفيذ برنامج واسع للإصلاح، شمل إصدار قانون الإصلاح الزراعي للحد من هيمنة كبار ملاك الأراضي، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وتعزيز دور الجيش، وتوسيع مجانية التعليم، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية.
وفي 18 يونيو 1953 أُلغيت الملكية رسميًا، وأُعلنت الجمهورية المصرية، ليتولى اللواء محمد نجيب منصب أول رئيس للجمهورية، قبل أن يبرز جمال عبد الناصر قائدًا فعليًا للدولة، ويقود لاحقًا مرحلة اتسمت بتأميم قناة السويس عام 1956، والتصدي للعدوان الثلاثي، ودعم حركات التحرر الوطني في الوطن العربي وإفريقيا، وتعزيز سياسة عدم الانحياز.
وعلى امتداد العقود التالية، بقيت ثورة 23 يوليو حدثًا مفصليًا في التاريخ العربي؛ إذ يراها مؤيدوها بداية بناء الدولة الوطنية الحديثة وترسيخ الاستقلال والعدالة الاجتماعية، فيما يعتبرها منتقدوها نقطة الانطلاق لهيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية. وبين هذين الرأيين، تظل الثورة واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا وإثارةً للنقاش في التاريخ المصري المعاصر.




