محاربة التطرف.. ثبات الهدف وتغير الأساليب/ بقلم محمد الأمين الفاضل

 حين يتعلق الأمر بمواجهة الغلو والتطرف والإرهاب، فإن مواقفنا يجب أن تكون ثابتة لا تتغير، والذي يمكن أن يتغير هو فقط الوسائل والأساليب والأدوات التي نستخدمها في تلك المواجهة، فبعض تلك الوسائل قد يكون أكثر نجاعة في هذه الفترة، والبعض الآخر قد يكون أكثر نجاعة في فترة أخرى.

لقد كنتُ شخصيا من أشد الداعمين لمحاربة التطرف والإرهاب، وكنتُ من المطالبين بمواجهتهما بالسلاح عندما كانت الظروف تستدعي ذلك، وما زلتُ أعتقد أن الدولة يجب أن تكون حازمة وقوية في مواجهة كل من يحمل السلاح في وجهها، أو يهدد أمن مواطنيها واستقرارها، كائنا من كان.

ولعلَّ من المهم في هذا المقام التذكير بأني لما كنتُ أُحسب على المعارضة في العهد السابق، فإن ذلك لم يمنعني من دعم النظام في معركته ضد الإرهاب والتطرف، فكنتُ من أوائل المساندين لمعركة “حاس سيدي” التي جرت يوم 17 سبتمبر 2010 بين الجيش الموريتاني وعناصر من تنظيم القاعدة داخل الأراضي المالية.

أثارت تلك العملية جدلا واسعا في ذلك الوقت، وعارض كثيرون ـ خاصة في صفوف المعارضة ـ عبور الجيش الموريتاني للحدود لخوض معركة خارج التراب الوطني، وذهب بعضهم إلى اعتبارها حربا بالوكالة يخوضها الجيش الموريتاني نيابة عن فرنسا. لقد اتخذت حينها موقفا مناقضا لموقف المعارضة من تلك العملية، فاعتبرت أنها تمثل خطوة استراتيجية مهمة لتغيير قواعد المواجهة مع التنظيمات الإرهابية، خاصة في ظل واقع كانت فيه أجزاء واسعة من الأراضي المالية مستباحة للقاعدة، ومفتوحة في الوقت نفسه لمن أراد قتال القاعدة.

لقد دافعتُ عن تلك العملية وعن العمليات التي تلتها بقوة، وهو ما أغضب الكثير من زملائي في المعارضة. وقد بلغ بي الاقتناع بأهمية تلك المعركة إلى أن وصفتُ بعض من كانوا يعتبرونها حربا بالوكالة عن فرنسا، بأنهم هم أيضا يمارسون، من حيث يدرون أو لا يدرون، نوعا من الارهاب بالوكالة لصالح القاعدة. وقد عبرت عن تلك المواقف في عدد من المقالات، ما تزال موجودة على بعض المواقع، وعلى مدونتي الشخصية، من بينها: “الإرهاب بالوكالة”، “سامحونا” و”شكرا للجيش”، و”الكلام المباح”.

واليوم، وبعد سنوات من اعتماد موريتانيا لمقاربتها الخاصة في التعامل مع سجناء الغلو والتطرف، أجد نفسي داعما بقوة لهذه المقاربة الموريتانية الأصيلة التي تقوم على الحوار والمراجعة الفكرية ومنح الفرصة لمن تاب ورجع عن أفكاره المتشددة لكي يندمج من جديد في المجتمع ويعيش حياة طبيعية.

إن دعمي لهذه المقاربة ـ والتي أصبحت محل اهتمام دول عديدة ـ لا ينبع من رغبة عاطفية أو من حسن ظن غير مدروس، وإنما يستند إلى نتائج ملموسة ووقائع يمكن ملاحظتها. فمن بين الذين استفادوا سابقا من هذه المقاربة لم يُعرف عن أي واحد منهم أنه عاد إلى التطرف أو انخرط مجددا في أعمال إرهابية، بل إن بعضهم أصبح يؤدي اليوم أدوارا إيجابية في مواجهة الغلو والتطرف والتحذير من مخاطره.

كما أن بلادنا، منذ تبني هذه المقاربة، استطاعت أن تحقق نتائج أمنية لافتة، فلم تشهد أراضيها عمليات إرهابية تذكر، باستثناء ما ارتبط بهروب بعض السجناء وما نتج عنه من أحداث في “لمصيدي”. وهذا النجاح لا يمكن فصله عن المقاربة الشاملة التي اعتمدتها الدولة.

ولا تقتصر المقاربة الموريتانية على المراجعات الفكرية، على أهمية تلك المراجعات، وإنما تشمل كذلك أبعادا أمنية واجتماعية وسياسية، وهو ما جعلها مقاربة شاملة ذات أثر إيجابي في تحصين البلاد من خطر التطرف والإرهاب.

وانطلاقا من أهمية المقاربة المعتمدة، فإنني أرحب بإطلاق سراح من ثبتت توبتهم وتراجعهم عن الفكر المتطرف، وأدعم كل خطوة من شأنها أن تساعدهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع. وفي الوقت نفسه، فإنني أرى أن أسر شهداء الإرهاب والتطرف تستحق من الدولة كل أصناف الرعاية والمؤازرة والدعم، المعنوي منه والمادي.

إن الوفاء لشهدائنا لا يقتصر فقط على تخليد ذكراهم، وتثمين تضحياتهم، ورعاية أسرهم، بل يشمل أيضا الحرص على تجنيب زملائهم في القوات المسلحة ـ كلما كان ذلك ممكنا ـ الحروب والمعارك التي قد تزهق فيها أرواح جنود آخرين، فتخلف المزيد من الأرامل والأيتام.

ومن هنا فإن التعامل الرشيد مع ملف التطرف والغلو يقتضي السير في مسارين متكاملين: أولهما حفظ حق الشهداء في التكريم وعدم نسيان تضحياتهم، وثانيهما البحث عن كل الوسائل الممكنة لتجنب تكرار المآسي التي دفعوا هم حياتهم ثمنا لها.

لقد أثبتت المقاربة الموريتانية، حتى الآن، أنها مقاربة ناجحة وجديرة بالثقة، ولذلك فمن مصلحتنا أن نواصل الاعتماد عليها ما دامت تحقق أهدافها في حماية البلاد وتجنيبها ويلات المواجهة. وليس من الحكمة أن ندفع المتطرفين إلى حرب معنا ما دام بالإمكان احتواء الخطر بوسائل أخرى أقل كلفة على الوطن والمواطنين.

وبكل تأكيد، فإن ذلك لا يعني أبدا التخلي عن الحزم أو التهاون مع من يختار طريق العنف. فإذا فرضت علينا الحرب، وعاد من يحمل السلاح ليعتدي على أمن بلادنا واستقرارها، فإن لغة الحوار ستفسح المجال حينها للغة أخرى هي لغة السلاح، وهي لغة سبق لجيشنا أن تحدث بها حين اضطر إلى ذلك، وأثبت من خلالها قدرته على حماية الوطن والدفاع عن أمنه واستقراره. وعندما يتحدث الجيش بتلك اللغة سأكون، كما كنت بالأمس، من أوائل الداعمين له، لأن من يختار لغة السلاح لا يمكن أن يُخاطَب إلا بتلك اللغة التي اختار.

أما اليوم، وما دامت بلادنا قد نجحت في وقف العمليات المسلحة داخل أراضيها، مما يعني أن مقاربتها الشاملة بدأت تؤتي ثمارها، وتحقق ما عجزت عنه دول كثيرة، فإن الحكمة تقتضي أن نتمسك بالمقاربة التي نجحت، وأن نمنح الفرصة لمن تاب، وأن نحفظ في الوقت نفسه حق الشهداء وذاكرة تضحياتهم.

وبكلمة واحدة، فإن الحكمة تقتضي التمسك بالمقاربة التي أثبتت نجاعتها في مواجهة التطرف والإرهاب، فالحوار والسلاح ليسا خيارين متناقضين، وإنما هما أداتان مختلفتان لخدمة هدف واحد، وهو حماية موريتانيا وتحصينها من أي اعتداء، خاصة في هذه الفترة العصيبة من عدم الاستقرار التي تمر بها بعض دول المنطقة.

حفظ الله موريتانيا…

محمد الأمين الفاضل Elvadel@gmail.com