شريان نواكشوط البحري.. كيف تحرك “البضائع السائبة” اقتصاد موريتانيا؟

صورة لميناء نواكشوط المستقل

الريادة: على رصيف ميناء نواكشوط المستقل، المعروف بـ”ميناء الصداقة”، لا تتوقف الرافعات العملاقة عن الدوران. فما يدخل ويخرج من هنا يتجاوز مجرد بضائع عابرة، ليمس تفاصيل الحياة اليومية للموريتانيين. ويتحكم في نبض قطاعات استراتيجية كالغذاء والإنشاءات والتعدين.

وفي عمق هذه الحركة اللوجستية الصاخبة، تبرز “المواد الصلبة غير المعلبة” أو ما يُعرف في لغة التجارة البحرية بـ”البضائع السائبة”. كأحد أهم العناوين الاقتصادية التي ترسم ملامح الأمن الغذائي والصناعي للبلاد، وبوابتها الأوسع نحو الأسواق العالمية.

وفي هذا التقرير، سنحاول تسليط الضوء على آلية العمل في الميناء لنقل المواد الصلبة وطريقة التعامل معها والجهات. التي تنقل إليها من خلال النقاط الأربعة التالية:

1. هندسة الاستيراد والتصدير: تأمين الداخل وغزو الخارج

بين استيراد يؤمن لقمة العيش ومواد البناء، وتصدير يضخ العملة الصعبة في شريان الاقتصاد الوطني، تتوزع خريطة هذه المواد:

  • حركة الاستيراد: تستقبل الأرصفة المينائية قوافل السفن المحملة بالقمح والإسمنت والمستخرجات المعدنية الخام، ليتم تفريغها. بآليات متطورة تصب حمولتها مباشرة من بطن السفينة إلى شاحنات ضخمة، تنطلق على الفور. نحو المستودعات ومطاحن الدقيق ومصانع الإسمنت القابعة في المنطقة الصناعية للميناء، في سباق مع الزمن لضمان استقرار الأسواق المحلية.
  • حركة التصدير: يتحول الميناء إلى منصة انطلاق لثروات موريتانيا المعدنية نحو القارات الخمس. حيث يشهد رصيف الصادرات حركة دؤوبة لشحن مسحوق النحاس والجبس.

وجهة الصادرات الموريتانية السائبة:

  • مسحوق النحاس: يتجه إلى مصانع الصين الكبرى وأسواق أمريكا اللاتينية كالمكسيك والبرازيل.
  • الجبس الموريتاني: يجد طريقه لإنارة نهضة الإنشاءات في بلدان غرب إفريقيا مثل غانا ونيجيريا والسنغال.

2. دقة لوجستية.. لكل مادة “مسار”

ولضمان تدفق هذه الصادرات بكفاءة تحاكي المعايير الدولية، يختبر الميناء هندسة لوجستية دقيقة تعتمد على نظامين مختلفين تبعاً لطبيعة المادة:

مسحوق النحاس:

يُعبأ بعناية فائقة من المنجم داخل حاويات قياسية بسعة 20 قدماً، لينقل عبر قاطرات ضخمة إلى الميناء. قبل أن يتدفق إلى حوض السفينة عبر نظام تزحلق ميكانيكي مخصص يمنع الهدر.

الجبس الموريتاني:

يخوض رحلة مغايرة تبدأ من مواقع التعدين على متن شاحنات تفرغ حمولتها في مناطق تخزين مؤقت داخل الحرم المينائي، لتُعاد تعبئتها. لاحقاً باتجاه الرصيف لتُسكب مباشرة في جوف سفن الشحن.

3. رؤية التحديث.. بصمات التطوير الإداري

تحت إدارة المدير العام للميناء، السيد المرابط ولد بناهي، شهدت هذه الدورة اللوجستية المعقدة قفزة نوعية في الأداء. حيث ركزت الإدارة الجديدة على:

  • تسريع وتيرة الرقمنة.
  • تطوير البنية التحتية للأرصفة.
  • تقليص زمن انتظار السفن.

وقد أسهمت هذه الرؤية التحديثية في تعزيز الجاذبية الاستثمارية للميناء، وتحسين آليات تفريغ وشحن البضائع السائبة. مما جعل من “ميناء الصداقة” منصة أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات التجارة الدولية، تماشياً مع الخطط التنموية الوطنية.

4. الحوكمة المالية: معادلة الشفافية والنمو

هذه الطفرة الإدارية واللوجستية تسير جنباً إلى جنب مع منظومة إجرائية ومالية صارمة تتوخى الشفافية وتسهيل التجارة؛ إذ تخضع عمليات الاستيراد. والتصدير لإجراءات جمركية ومينائية موحدة تطبق على الجميع، بدءاً من رسوم الجمركة والميناء وحتى تكاليف المناولة.

وفي الجانب المالي، يعتمد الميناء معادلة دقيقة لحساب الرسوم توازن بين حجم البضائع وقيمتها؛ حيث يتقاضى ميناء نواكشوط ضريبة مينائية . (ضريبة على البضائع) بحسب الحجم تبعاً لموقع التعرفة الخاصة بالمادة المعنية وفق الصيغة التالية:

هكذا إذا  وبفعل التحديث المستمر والحوكمة الصارمة، يتحول ميناء نواكشوط المستقل من مجرد محطة بحرية تقليدية. إلى محرك اقتصادي حيوي يدمج موريتانيا بقوة في سلاسل الإمداد العالمية، ويفتح أمام ثرواتها آفاقاً جديدة لا تحدها الحدود.

إعداد: بلال عالي أعمر لعبيد