الخميس, 24 سبتمبر, 2020
الريادة

كأنها مكة.. عرب لا يعرفهم العرب في تمبكتو التي لا تدين لسلطان

مسجد جينغاري بير بناه ملك إمبراطورية مالي في القرن 13، وهو يشهد اليوم على دور العرقيات الأفريقية في نهضة تمبكتو

“كأنها مكة!”، صاح حجاج مغاربة مندهشين حين رأوها أول مرة وهم عائدون من رحلة الحج، فقد كانت طبيعتها وموضعها بين الجبال ونمط عمرانها شديد الشبه بمكة المكرمة، فسميت من يومها “تاداماكت”، وتعني بالأمازيغية “كأنها مكة” أو “هذه مكة”.

حصل ذلك في القرن الأول الهجري، وقد صارت مملكة تاداماكت إحدى أشهر ممالك الطوارق، وتوصف بكونها مهد حضارة الطوارق الذين يشكلون حاليا أقلية من سكان مالي ذوي الأصول المتنوعة.

وفي تقرير كتبه ياسين الكزباري لمجلة الجزيرة من المدينة العريقة، أفاد بأن الإسلام دخل إلى تاداماكت منتصف القرن الأول الهجري، بحسب محمد تقي الله شيخ قبيلة كل دبلة. وقال تقي الله “لقد استلم الطوارق مشعل الإسلام مبكرا، فشكلوا حصنا إسلاميا منيعا ونقطة انطلاق نحو بلدان أفريقيا، وقد كانت تاداماكت عاصمة الإسلام في صحراء أزواد قبل حتى أن تقوم تمبكتو وشنقيط”.

ولا تزال تاداماكت -أو السوق كما تسمى حاليا- تشتهر بأنها مدينة العلم والدين، ولا يزال السوقيون محتفظين بوظيفتهم العلمية والدينية في المجتمع الطوارقي كما كان أسلافهم، مثل الشيخ العتيق بن سعد الدين السوقي الإدريسي ومحمد بن الهادي السوقي الأدرعي ومحمد بن محمد السوقي الإدريسي.

أما اشتهارها باسم “السوق”، فيقول الشيخ محمد تقي الله “مع انتشار الإسلام وحركة الفتوحات في غرب أفريقيا، نشطت أيضا حركة التجارة، وكان موقع المدينة في مركز الطرق الرابطة بين الممالك الأفريقية وشمال أفريقيا مساعدا لها لتكون مركزا تجاريا، خصوصا أنها كانت غنية بالذهب، فكان الجميع يأتي إليها بحثا عنه، وكانت عملة مملكة تاداماكت تسمى الصلع، وكانت من الذهب الخالص”.

وبعد قرنين من الازدهار وبعدما نضبت مناجم ذهب تاداماكت، خفت لمعانها فانفضت عنها القوافل في أواخر القرن العاشر الميلادي، مؤذنة ببزوغ نجم مدينة أخرى بداية القرن 11 الميلادي. ويقال إن المرأة التي أسستها -واسمها بكتو- جاءت من تاداماكت نفسها، وكان اسم المدينة الجديدة تمبكتو التي ستعمر أكثر مما عمرت تاداماكت التي صارت اليوم بلدة صغيرة في ضواحي مدينة كيدال.

جدل الهوية والتاريخ

غير أن آثار الحضارة البشرية في مدينة تاداماكت -أو السوق- أقدم بكثير من تاريخ دخول الإسلام إليها، إذ اكتشفت فيها كتابات أثرية لأبجدية “تيفيناغ”، ونقوش قدّر عمرها بـ6 آلاف سنة قبل الميلاد، لتسجل كإحدى أقدم مناطق العالم التي عرفت الحضارة البشرية.

غير أن علاقة الطوارق بالحضارات المكتشفة آثارها قرب مدينة السوق محل جدل، وحول ذلك يقول مدير إذاعة أزواد في كيدال أحمد البكاي: “في فترة الاستعمار الفرنسي وما بعده، شاع في الأوساط الأكاديمية الفرنسية أن حضارة الطوارق أقدم بكثير من الحضارة الإسلامية”.

كما حظيت حروف تيفيناغ باهتمام خاص على أساس أنها الحروف الخاصة باللغة الأمازيغية، وأنها أقدم بكثير من الحروف العربية. وبذلت جهود كبيرة في فرنسا لإحيائها، وقد كان هذا الاهتمام يهدف بالأساس إلى إقناع الطوارق والأمازيغ عموما بأنهم أكثر تميزا وعراقة من العرب، في محاولة لخلق نزعة قومية عرقية أمازيغية وعزل الأمازيغ عن عمقهم الإستراتيجي الذي هو العالم العربي بالأساس.

ويضيف “وإذا طالعنا المراجع الفرنسية فسنجد فكرة مغلوطة ولعلها غير بريئة، مفادها أن هوية الطوارق مرتبطة بالأساس بلغة الطماشق (لهجة أمازيغية). ورغم أن لغة الطماشق جزء رئيسي من هويتهم، فإن التركيز عليها دون المكونات الأخرى كالثقافة والدين ينطوي على رغبة في فصلهم عن المكون العربي الإسلامي الذي تداخل معهم على مدى 14 قرنا، وشكل معهم مجتمعا ومصيرا واحدا، ومن تجليات ذلك مثلا إحصاء سكاني أجرته السلطات الفرنسية سنة 1950، وميزت فيه بين الطوارق والمغاربة والعرب”.

وعن أصول الطوارق، يقول البكاي “الطوارق ينحدرون بالأساس من قبائل صنهاجة الملثمين الأمازيغية (جنوب المغرب)، والذين ينحدرون بدورهم من الجرمنتيين (جنوب ليبيا)، وعند دخول الإسلام وفد العرب واختلطوا بالطوارق وتبنوا ثقافتهم وتمزغوا (أي تحدثوا الأمازيغية)، فصاروا جزءا لا يتجزأ منهم، وما زالت أصولهم ظاهرة في أسماء بعض القبائل الطوارقية كقبيلة شامايناس وتعني أناس الشام أو أهل الشام، وقبيلة كل إينصار الأنصارية الأصل، كما أنه معروف أن قبيلة كل إغلال يعود أصلها إلى ذرية أبي بكر الصديق”.

عرب لا يعرفهم العرب

وتحدث مدير جريدة الاتحاد (تانمناك) أحمد الخميس نوح بلغة عربية فصيحة لمجلة الجزيرة، وعن سر إتقانه لها قال “أنا عربي طارقي من النيجر، أجدادي كلهم ولدوا في النيجر”.

ووصل العرب الأوائل إلى منطقة أزواد مع الفتوحات الأولى في شمال أفريقيا، غير أنهم تحدثوا الأمازيغية وصاروا طوارق ثقافيا. أما في شمال مالي فقد تعزز حضورهم كمكون عربي ثقافة خلال مرحلتين أساسيتين، وعنهما تحدث سيدي أحمد الكنتي مدير مركز الشيخ سيدي المختار الكنتي، قائلا “نهاية القرن 16 كانت تمبكتو وغاوة تحت نفوذ إمبراطورية الصونغاي التي أصبحت ضعيفة، مما شجع قطاع الطرق على اعتراض طرق القوافل ومناجم الملح والذهب. ولتأمينها، أرسلت الدولة السعدية جيشا قوامه 40 ألف جندي بقيادة الباشا جودار، فاستقر جلّ الجنود في المنطقة، وكانت تلك أكبر موجة هجرة عربية شهدتها المنطقة، وقد شكل المغاربة -من الأمازيغ والعرب- في تمبكتو في بعض الفترات، 3 أرباع السكان”.

ويضيف الكنتي “لكن قبل ذلك بـ100 عام، وصلت أول موجة هجرة عربية، حيث حلت بالمنطقة قبيلة كنتة العربية الفهرية الآتية من المغرب، لتشكل نواة أبرز قبيلة عربية في المنطقة إلى اليوم، وكان منها أشهر العلماء والقضاة الذين عرفتهم المنطقة”.

خصومة قديمة

وعدا دولة الجرمنتيين العظيمة (جنوب ليبيا) التي أسسها أسلافهم قبل 2500 سنة والتي عمرت ألف سنة، ومملكة أودغست الإسلامية (جنوب موريتانيا) التي أقامها أجدادهم الصناهجة؛ لم يؤسس الطوارق أي إمبراطورية، كما لم يخضعوا للإمبراطوريات التي مرّت بمناطقهم. وعن أسباب ذلك يقول أحمد البكاي “لم يختر الطوارق الترحال في الصحراء رغم تطرف مناخها وقلة مائها وغلالها، إلا ليعيشوا أحرارا أسياد أنفسهم بعيدا عن سلطة الدولة”.

ويضيف “حين أسسوا ممالكهم كتاداماكت وأويلمدن وغيرها، كانت في نطاق قبائلهم وفي مجالات جغرافية محددة، وكانت على شكل اتحادات كونفدرالية. والدول التي سيطرت على مناطقهم كإمبراطورية غانا ومالي والصونغاي والسعديين كانت تلجأ إلى مسالمتهم وإعطائهم امتيازات معينة لدرء ثوراتهم، حيث كانوا محاربين شجعانا وأسياد الصحراء والخبراء بالطرق وأماكن المياه والاهتداء بالنجوم، وكان دورهم حاسما في قيادة القوافل وحماية طرقها”.

وفي نهاية القرن 18، وصل الاستعمار الفرنسي إلى صحراء الطوارق، وعمل على تقويض نظام ونمط حياتهم، فواجهوه بمقاومة شرسة قادها زعماء مثل: القائد فهرون آغ لينصار، والشيخ شبون بن أفندغون، ومحمد علي الجنيدي.

وأمام التفوق العسكري لفرنسا ونهجها سياسة الانتقام من الأهالي لقمع الثوار، أفتى الشيخ الكبير الكنتي بمهادنة فرنسا على أساس احترام دين وتقاليد الأهالي، ورغم ذلك فقد استمر بعض القادة في مقاومة فرنسا، مثل المجاهد ألغ البشير الذي استشهد قبيل رحيل فرنسا ببضع سنوات فقط.

وعن سيرتهم هذه مع الدول، يقول العمري صاحب كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: “كانوا لا يدينون لسلطان، إلا أنهم دانوا للسلطان أبي الحسن المريني على أنهم لا يملّكون أحدا قيادهم ولا يسلمون إليه بلادهم، وبكل حال فهم معه بين صحة واعتلال”.

المصدر : الجزيرة