أحادية اللغة أم أحادية المعايير؟ سبع ملاحظات بشأن الجدل حول قدرة ولد ببانه على قيادة قطاع الثقافة والاتصال..


يثير الجدل بشأن تعيين محمد ولد ببانه في منصب وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، سؤالا يتجاوز شخص المسؤول المعني إلى طبيعة المعايير التي يحاكم بها المسؤولون في موريتانيا: هل تقاس القدرة على تسيير القطاعات الحكومية بمدى استيفاء متطلبات الكفاءة والخبرة والتواصل المؤسسي، أم تختزل أحيانا في عدد اللغات التي يتقن المسؤول، وفي اللغة التي يتقنها على وجه الخصوص؟


إن الاعتراض على تعيين مسؤول بسبب ما يُقال عن أحاديته اللغوية يستحق النقاش، لا من باب رفض تعدد اللغات أو التقليل من أهميته، بل من باب مساءلة اتساق المعايير التي يُحتكم إليها، ومدى ارتباطها الفعلي بمتطلبات المنصب. فالمسألة ليست في أهمية الفرنسية أو العربية أو غيرهما من اللغات، وإنما في الكيفية التي تتحول بها الكفاءة اللغوية إلى معيار انتقائي، يستحضر في حالات ويغيب في حالات أخرى.

  1. ازدواجية المعايير، حيال مسألة اللغة. من هو أحادي اللغة فعلا؟
    من أبرز المفارقات التي تستحق التوقف عندها أن وصف “أحادي اللغة” قد يستحضر غالبا عند حينما يتعلق الأمر بمسؤولين ذوو تكوين عربي، بينما لا يحظى بالاهتمام نفسه حين يتعلق الأمر بأشخاص لا يتقنون غير اللغة الفرنسية.
    إذا كانت التعددية اللغوية معيارا فعليا للكفاءة، فينبغي أن يطبق هذا المعيار على الجميع دون استثناء. أما إذا كان هذا المعيار لا يظهر إلا عندما يكون المسؤول عربي الثقافة واللغة، فإن الإشكال لا يعود لغويا خالصا، بل يصبح إشكالا في اتساق المعايير ومدى عدالتها. ومع ذلك، فإن إثبات وجود ازدواجية فعلية يقتضي مقارنة حالات محددة، لا الاكتفاء بالانطباعات أو التعميم على جميع الناطقين بالفرنسية. فالنقد الأقوى هو الذي يستند إلى أمثلة واضحة، ويكشف التناقض حيثما ثبت، بدل أن يعيد إنتاج التعميم الذي ينتقده.

2) اللغة الرسمية امتياز ثقافي، أم مركز دستوري؟
تحتل اللغة العربية مكانة خاصة في موريتانيا، فهي اللغة الرسمية للبلد، علاوة على ارتباطها العميق واللصيق بالهوية الحضارية للمجتمع الموريتاني. وهذه المكانة ليست مجرد تفضيل ثقافي لدى فئة من المواطنين، بل تستند إلى مرجعية دستورية. ومن ثم، فإن إتقان العربية واستخدامها في مؤسسات الدولة ليسا أمرا يحتاج إلى تبرير. كما أن تمكينها في الإدارة والإعلام الرسمي والتواصل الحكومي لا ينبغي أن يفسّر تلقائيا باعتباره موقفا ضد اللغات الأخرى، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى لا يمكن تفسير الاعتراف بالمكانة الدستورية للعربية على أنه يعني أن الكفاءة في اللغة الفرنسية أو الروسية غيرهما من اللغات غير مهمة، ولا أن المعرفة بلغة واحدة تكفي بالضرورة لأداء جميع المهام الحكومية. فالتمييز الضروري هنا هو بين أولوية اللغة الرسمية في الناحية الدستورية.

3) هل أحادية اللغة دليل على انعدام الكفاءة؟
من الناحية المنطقية والعملية، لا يكفي إثبات أن شخصا لا يتقن إلا لغة واحدة للحكم بعجزه عن تسيير قطاع حكومي. فالكفاءة الإدارية مركبة، وتتداخل فيها الخبرة، والقدرة على اتخاذ القرار، وفهم السياسات العامة، وإدارة الفرق، والتواصل، والتنسيق بين المؤسسات، وأمورا أخرى.

قد يكون تعدد اللغات ميزة مهمة، بل شرطا عمليا في بعض المهام. وقد تكون هناك مناصب تتطلب تواصلا مباشرا ومستمرا بلغات مختلفة، خصوصا في العلاقات الخارجية والإعلام الدولي. لكن ذلك لا يجعل عدد اللغات، بمفرده، مقياسا شاملا لقدرة المسؤول على تولي منصب من حيث المبدأ.

4) خصوصية منصب الناطق الرسمي باسم الحكومة
لا ينبغي إغفال أن الجمع بين وزارة الثقافة والاتصال والعلاقات مع البرلمان ومهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة يضع صاحبه أمام مسؤوليات متعددة. فالمنصب يتطلب القدرة على شرح السياسات الحكومية، ونقل المواقف الرسمية بدقة، والتفاعل مع الصحافة، والتنسيق مع المؤسسات، وإيصال المعلومات بشكل دقيق.
ثم إن إتقان لغات متعددة قد يعزز قدرة المسؤول على التواصل، لكنه ليس العنصر الأوحد الذي تتوقف عليه فعالية أدائه.


وفي المقابل، لا يصح التقليل من أهمية اللغات التي يستخدمها الإعلام أو الشركاء أو المواطنون؛ إذ قد يؤدي ضعف التواصل بلغة يحتاج إليها جمهور معين إلى فجوات في نقل المعلومات. لذلك، فإن الحل المهني ليس إنكار أهمية التعدد اللغوي، ولا اتخاذه سلاحا للتشكيك المسبق في المسؤول، وإنما التأكد من توفر القدرات اللازمة للتواصل الفعلي، سواء امتلكها المسؤول بنفسه أم دعمتها منظومة مؤسسية فعالة.
وعليه، فإن الحكم على تعيين محمد ولد ببانه ينبغي أن يستند إلى مؤهلاته وخبرته ومتطلبات المنصب، ثم إلى أدائه الفعلي بعد توليه المسؤولية، لا إلى وصف مجرد يستخدم بديلا عن التقييم المهني.

5) هل أصبح مصطلح أحادي اللغة أداة للإقصاء؟
تبدأ المشكلة عندما ينتقل المصطلح من وصف محدود إلى أداة للتقليل من شأن المسؤول، أو عندما يقدَّم عدم إتقان لغة معينة باعتباره دليلا قطعيا على العجز التام، دون النظر في بقية المؤهلات.


ومع ذلك، فإن وصف كل مطالبة بالتعدد اللغوي بأنها إرهاب فكري لا يقلل من حدة الاستقطاب، ولا يساعد على بناء نقاش جاد. فقد يكون الاعتراض على الكفاءة اللغوية نابعا من متطلبات مهنية فعلية، وقد يكون في حالات أخرى مشوبا بتحيز أو ازدواجية في المعايير. والتمييز بين الحالتين يتطلب النظر في الحجج والأدلة وسياقات استخدامها. لذلك، فإن النقد الأكثر إحكامًا لا يستهدف المصطلح في ذاته، بل يسائل طريقة توظيفه.

6) العربية والفرنسية. من منطق المفاضلة إلى منطق المواطنة
تحتاج موريتانيا، بحكم تنوعها الثقافي واللغوي والإثني كذلك، إلى مقاربة تتجاوز منطق المفاضلة بين مكونات هويتها. فالعربية تحتل مكانتها الدستورية والحضارية، واللغات الوطنية الأخرى تمثل بدورها مكونات أصيلة في النسيج الاجتماعي، كما أن الفرنسية تؤدي أدوارا في مجالات التعليم والإدارة.


ولا ينبغي أن يتحول هذا الواقع إلى منافسة صفرية، يكون فيها تعزيز لغة مرادفا لإضعاف أخرى، أو يصبح إتقان لغة بعينها شرطا للاعتراف بالانتماء الوطني أو الكفاءة المهنية.


إن الدولة القادرة على إدارة تنوعها هي التي تحترم لغتها الرسمية، وتطور استعمالها في مؤسساتها، وتتيح في الوقت نفسه وسائل التواصل مع مختلف مكونات المجتمع. أما اختزال النقاش في التساؤلات العدمية والتشكيك في مؤهلات كل من تسند له مهمة، فهذا ليس أهم ما ينبغي أن ينصب عليه الاهتمام في وقتنا الحاضر.
7) المعيار العادل هو الكفاءة، لا الانطباع المسبق
إن الدفاع عن حق محمد ولد ببانه في أن يُقيَّم على أساس مؤهلاته لا يعني منحه حصانة من النقد، ولا افتراض نجاحه قبل ممارسة مهامه. بل يعني أن يكون النقد نفسه منصفا، وأن يستند إلى معايير واضحة تنطبق على الجميع. والأهم أن المسؤولية العامة ليست ملكًا لثقافة دون أخرى، ولا ينبغي أن تتحول اللغة إلى حاجز غير معلن أمام تولي المناصب.

وفي الأخير، إن الجدل بشأن تعيين محمد ولد ببانه يتيح فرصة لإعادة النظر في الطريقة التي نتحدث بها عن اللغة والكفاءة والهوية في موريتانيا. فليس من الإنصاف أن تتحول أحادية اللغة إلى تهمة تلقائية.

كما أن تقييم قدرته على قيادة القطاع والاضطلاع بمهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة ينبغي أن يرتبط بمؤهلاته الفعلية، وأدائه، ومدى استجابته لمتطلبات الوظيفة.

فالمشكلة ليست في تعدد اللغات، بل في احتمال تعدد المعايير؛ وليست في تعلم اللغة الفرنسية أو غيرها، بل في تحويل اللغة من أداة للتواصل إلى أداة للحكم المسبق على قدرات الأشخاص.