
الريادة: تدفع فرنسا وألمانيا الاتحاد الأوروبي نحو تشديد أدواته التجارية في مواجهة الاختلالات المتزايدة مع الصين، عبر مقترح يمنح بروكسل قدرة أسرع على تقييد الوصول إلى السوق الأوروبية في مواجهة الممارسات المشوهة للمنافسة، في تحرك يسبق قمة مرتقبة لقادة الاتحاد في بروكسل.
وفي رسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، بآلية سريعة لمواجهة “الممارسات المنهجية المشوهة للسوق”، محذرين من أنها تهدد اقتصاد الاتحاد وقاعدته الصناعية.
قمة بروكسل أمام اختبار الصين
بحسب وكالة “رويترز”، يأتي التحرك قبل اجتماع المجلس الأوروبي المقرر في بروكسل يومي 15 و16 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، إذ ستكون الاختلالات التجارية مع الصين ضمن المناقشات، ما يضع المقترح الفرنسي الألماني أمام اختبار بشأن مدى استعداد الدول الأعضاء لتشديد السياسة التجارية تجاه بكين.
وتفيد “فايننشال تايمز” بأن المفوضية ستطلع القادة خلال الاجتماع على تطورات المحادثات مع الصين بشأن معالجة الاختلال التجاري، فيما تسعى باريس وبرلين إلى حشد دعم أوروبي لموقف أكثر صرامة.

فجوة تجارية تتسع
تكشف بيانات “يوروستات” حجم الضغوط، إذ استورد الاتحاد الأوروبي من الصين بضائع بقيمة 559.4 مليار يورو في 2025، مقابل صادرات بـ199.6 مليار يورو، ليسجل عجزاً يقارب 359.8 مليار يورو. وارتفعت الواردات 6.4%، بينما تراجعت الصادرات الأوروبية إلى الصين 6.5%.
واستمرت الفجوة في الاتساع خلال 2026، إذ سجل الاتحاد عجزاً يتجاوز 103 مليارات يورو خلال الربع الثاني، وهو الأكبر منذ الربع الثالث من 2022، تزامناً مع ضغوط متزايدة من الواردات الصينية على قطاعات تشمل الآلات والكيماويات والمعادن والسيارات، وفق “يوروستات”.
وبحسب “بلومبرغ”، يتجاوز التحرك الفرنسي الألماني ملف العجز التجاري إلى تقليص اعتماد أوروبا على الدول الأجنبية في سلاسل التوريد الحيوية، مع إمكانية تقييد الوصول إلى السوق الموحدة عند الضرورة.

برلين تغيّر نهجها
يمثل انضمام ألمانيا إلى فرنسا تحولاً في موقف برلين، التي كانت تقليدياً أكثر تمسكاً بالتجارة الحرة بسبب ارتباط صناعاتها بالسوق الصينية.
وبحسب “فايننشال تايمز”، جاء التحول مع تصاعد الضغوط على الصناعة الألمانية من السيارات الكهربائية الصينية منخفضة التكلفة والرسوم الأمريكية، إلى جانب القيود الصينية على المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الحيوية، التي أثارت مخاوف من تعطل خطوط إنتاج أوروبية بسبب نقص الإمدادات.
وتشير الصحيفة إلى أن التقارب الفرنسي الألماني برز خلال اجتماع حكومي مشترك في يوليو (تموز) الماضي، عندما تبنى ميرتس مخاوف ماكرون بشأن الاختلال التجاري مع الصين، الذي يقترب من مليار يورو يومياً.

“سلاح الضربة الثانية”
تسعى باريس وبرلين إلى تجاوز بطء إجراءات الدفاع التجاري التقليدية، عبر أداة تتيح للمفوضية التحرك خلال أيام ضد الدعم الحكومي والإغراق وغيرها من التشوهات، والتعامل مع قطاع كامل بدلاً من منتج واحد، وفق رويترز.
وتصف فايننشال تايمز الآلية، نقلاً عن مسؤول ألماني، بأنها أشبه بـ”سلاح الضربة الثانية”، يسمح للاتحاد بالرد بإجراء قادر على إحداث ضرر مماثل للضرر الاقتصادي الواقع عليه.
في المقابل، يثير المقترح نقاشاً داخل الاتحاد، إذ يرى بعض الدبلوماسيين أن أوروبا تمتلك بالفعل أداة لمكافحة الإكراه الاقتصادي، تمنحه صلاحيات واسعة للرد على القيود التي تستهدف صادرات السلع والخدمات الأوروبية، بحسب فايننشال تايمز.
ويعكس ذلك خلافاً محتملاً قبل المناقشات الأوروبية المقبلة، بين من يرى ضرورة توسيع الترسانة التجارية للاتحاد، ومن يعتبر أن المشكلة الأساسية ليست نقص الأدوات، وإنما استعداد الدول الأعضاء لاستخدام الأدوات الموجودة بالفعل.

مكاسب ومخاطر اقتصادية
من شأن الآلية المقترحة تعزيز حماية الصناعات الأوروبية، لا سيما السيارات والآلات والكيماويات والمعادن، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، كما تمنح بروكسل ورقة إضافية في مفاوضاتها التجارية مع بكين.
في المقابل، قد تنعكس القيود على الشركات الأوروبية التي تعتمد على المواد والمكونات الصينية، عبر زيادة تكاليف الإنتاج والأسعار داخل السوق الأوروبية، فضلاً عن مخاطر تعرض الشركات المنكشفة على السوق الصينية، خصوصاً المجموعات الصناعية الألمانية، لإجراءات مضادة، وفقاً لـ “فايننشال تايمز”.
وبحسب “رويترز”، حذرت الصين في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي من رد “حازم” لحماية شركاتها وصناعاتها، إذا تبنى الاتحاد الأوروبي إجراءات تجارية تستهدف المنتجات الصينية.
وتضع المبادرة الاتحاد الأوروبي أمام معادلة تجمع بين حماية قاعدته الصناعية وتقليص اعتماده على الصين، وتجنب تصعيد تجاري قد يضغط على صادراته ويرفع التكاليف داخلياً، فيما ستكون قمة بروكسل المقبلة اختباراً لمدى قدرة باريس وبرلين على حشد موقف أوروبي موحد.




