فرنسا أمام اختبار الديون.. العجز يتفاقم والأسواق تفقد الثقة

الريادة: تواجه فرنسا خطر الدخول في دوامة مالية متفاقمة، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراكم الديون الحكومية، في وقت تكشف فيه وثائق داخلية عن تحذيرات مبكرة بشأن اتساع العجز وتأخر اتخاذ إجراءات لتصحيحه، وسط انقسامات سياسية تعرقل خفض الإنفاق، ومخاوف المستثمرين من تفاقم الأزمة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2027.

وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، أصبحت فرنسا تدفع فوائد على ديونها أعلى من اليونان وإيطاليا، اللتين ارتبطتا سابقاً بأزمات الديون الأوروبية، بعدما اقترب العائد على سنداتها الحكومية لأجل 10 سنوات من 5%، وهو أعلى مستوى منذ 2002.

وتواجه باريس استحقاقات ديون تتجاوز تريليون دولار بحلول 2030، فيما تستعد لبيع سندات بقيمة قياسية تبلغ نحو 380 مليار دولار خلال العام المقبل، في وقت تتراجع بعض مصادر الطلب التقليدية على الدين الفرنسي، مع توقف البنك المركزي عن شراء السندات وتراجع مستثمرين يابانيين عن السوق.

كيف تراكمت الديون؟

تعود جذور الأزمة إلى عقود من الإنفاق الحكومي المرتفع، إذ لم تحقق فرنسا موازنة متوازنة منذ 1974، لكن الضغوط المالية تسارعت خلال رئاسة إيمانويل ماكرون، رغم الإصلاحات التي بدأ بها ولايته، وشملت تخفيف القيود على سوق العمل وخفض الضرائب على الشركات وإلغاء ضريبة الثروة.

كما خصص ماكرون ما لا يقل عن 10 مليارات يورو لاحتواء احتجاجات “السترات الصفراء”، قبل أن تتوسع الحكومة في برامج الدعم خلال جائحة كورونا وأزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، تحت شعار الإنفاق مهما بلغت التكلفة، وفق “وول ستريت جورنال”.

واستمرت بعض برامج المساعدة حتى بعد انحسار الأزمات التي استدعت إطلاقها، ما أضاف أعباء طويلة الأجل على المالية العامة، بينما تراجعت الإيرادات الضريبية عن التقديرات الحكومية.

وثائق سرية تكشف اتساع العجز

تلقت وزارة المالية الفرنسية تحذيرات مبكرة بشأن تدهور الحسابات العامة. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2023، حذرت مذكرة سرية وزير المالية آنذاك برونو لومير من تراجع الإيرادات الضريبية، بينها ضريبة استثنائية على منتجي الطاقة كان متوقعاً أن توفر 3 مليارات يورو، إلى جانب ضعف إيرادات ضريبة القيمة المضافة والتقليل من تقدير النفقات الحكومية بنحو 3 مليارات يورو.

ووفق وثائق داخلية اطلعت عليها «وول ستريت جورنال»، قدرت الخزانة الفرنسية أن هذه الاختلالات قد ترفع عجز 2023 إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من 4.9%، بما يفتح فجوة محتملة بقيمة 9.2 مليارات يورو، فيما أوصى لومير بإبلاغ الرأي العام وإجراء تخفيضات إضافية بقيمة 10 مليارات يورو مطلع 2024.

وتفاقمت الصورة في فبراير (شباط) 2024، عندما حذرت مذكرة جديدة من احتمال ارتفاع عجز 2023 إلى 5.6%، ووصول عجز 2024 إلى 5.7%، مقارنة بتقدير سابق عند 4.4%. ووجد لومير نفسه أمام فجوة مالية بنحو 40 مليار يورو، ما دفعه إلى المطالبة بتعديل الموازنة وتخفيضات إضافية تصل إلى 20 مليار يورو.

لكن رئيس الوزراء آنذاك غابرييل أتال فضّل خفض الإنفاق عبر الصلاحيات التنفيذية، فيما رفض ماكرون الحاجة إلى موازنة تصحيحية، معتبراً أن المشكلة تكمن في تراجع الإيرادات الضريبية وليس الإفراط في الإنفاق.

وازدادت الأزمة السياسية تعقيداً بعد خسارة معسكر ماكرون الانتخابات الأوروبية في يونيو (حزيران) 2024 وحل الجمعية الوطنية، إذ أفضت الانتخابات المبكرة إلى فقدان حلفائه الأغلبية وانقسام البرلمان، ما زاد صعوبة تمرير إجراءات واسعة لخفض الإنفاق.

المستثمرون يتراجعون

تمتد الأزمة إلى سوق السندات، مع تراجع بعض مصادر الطلب التي اعتمدت عليها فرنسا لسنوات. ووفق “وول ستريت جورنال”، توقف بنك فرنسا عن شراء السندات الحكومية وبدأ تقليص محفظته تدريجياً مع حلول آجال استحقاقها، بينما خفّض مديرو أصول يابانيون استثماراتهم في الدين الفرنسي.

وكشف أليس كوتني، رئيس أسعار الفائدة الدولية لدى شركة “فانغارد” الأمريكية، أن قرار ماكرون حل البرلمان في 2024 شكّل نقطة تحول في تقييم الشركة للمخاطر الفرنسية، ما دفعها إلى بيع سندات حكومية فرنسية خلال الأشهر التالية.

وتتزايد الضغوط مع ارتفاع الفائدة على الديون، إذ تشير دراسة حديثة أُعدت بتكليف من وزارة المالية الفرنسية إلى احتمال زيادة كلفة خدمة الدين بنسبة 59% بحلول 2030، بالتزامن مع ارتفاع عجز الموازنة إلى 6.8% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العقد، إذا استمرت الاختلالات المالية.

اقتراض قياسي في 2027

تتزامن أزمة الثقة مع ارتفاع احتياجات فرنسا التمويلية إلى مستويات قياسية، إذ أعلنت وكالة الخزانة الفرنسية أن الدولة ستحتاج إلى تمويل بقيمة 339.7 مليار يورو في 2027، بزيادة 28 مليار يورو عن 2026، فيما تعتزم إصدار سندات متوسطة وطويلة الأجل بقيمة 340 مليار يورو.

وبحسب الوكالة، يُتوقع أن ترتفع كلفة خدمة الدين من 62.6 مليار يورو في 2026 إلى 72.9 مليار يورو في 2027، فيما تظهر بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية “إنسي” أن الدين العام بلغ نحو 3.6 تريليون يورو بنهاية الربع الثاني من 2026، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتستهدف الحكومة خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2027، عبر تقليص الإنفاق وزيادة الإيرادات، وسط احتجاجات على إجراءات التقشف المقترحة.

انتخابات 2027 تزيد مخاوف الأسواق

تضيف الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027 تحدياً جديداً للمالية العامة، مع تصاعد المخاوف من أن تؤدي البرامج الانتخابية إلى زيادة الإنفاق بدلاً من خفضه.

وبحسب “وول ستريت جورنال”، تعهدت مارين لوبان، التي تتصدر استطلاعات الرأي، بخفض سن التقاعد إلى 60 عاماً لبعض الفئات، وهي خطوة تقول إنها ستكلف الدولة 9 مليارات يورو إضافية سنوياً. في المقابل، يدعو زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون إلى تجميد أو شطب سندات فرنسية بقيمة 488 مليار يورو يحتفظ بها بنك فرنسا ضمن محفظة البنك المركزي الأوروبي.

وتتجاوز المخاطر الاستحقاق الانتخابي، إذ تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى احتمال ارتفاع الدين الفرنسي إلى 200% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2050، إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات لخفض الإنفاق، خصوصاً مع احتمال تجاوز معدل الفائدة على الدين معدل النمو الاقتصادي.

رغم ذلك، ترى الصحيفة أن انهيار سوق السندات الفرنسية ليس حتمياً، في ظل امتلاك منطقة اليورو أدوات أقوى لاحتواء الاضطرابات المالية مقارنة بأزمة الديون الأوروبية السابقة، بينما تبقى قدرة باريس على ضبط الإنفاق واستعادة ثقة المستثمرين العامل الحاسم في احتواء مسار الدين.