ذاكرة الأيام | 11 سبتمبر 2001.. اليوم الذي غيّر وجه العالم

الريادة: هناك أيام لا تشبه غيرها في دفتر التاريخ؛ أيام لا تنتهي أحداثها بانتهاء ساعاتها، بل تمتد آثارها لعقود، وتترك بصماتها على السياسة والحروب والاقتصاد والمجتمعات.

وفي مقدمة هذه الأيام يأتي الحادي عشر من سبتمبر 2001، حين استيقظ العالم على هجمات غير مسبوقة داخل الولايات المتحدة، سرعان ما تحولت إلى نقطة فاصلة بين مرحلتين في تاريخ العلاقات الدولية.

في صباح ذلك الثلاثاء، كانت الولايات المتحدة تبدو أمام يوم عادي، قبل أن تتحول السماء فوق نيويورك وواشنطن إلى مسرح لهجمات منسقة نفذها 19 خاطفًا تابعين لتنظيم القاعدة، واستولوا على أربع طائرات ركاب مدنية.

8:46 صباحًا.. الطائرة الأولى تصطدم بالبرج الشمالي

عند الساعة 8:46 صباحًا بالتوقيت المحلي، اصطدمت الرحلة رقم 11 التابعة لشركة «أمريكان إيرلاينز» بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك.

كانت الطائرة قد أقلعت من مطار بوسطن متجهة إلى لوس أنجلوس، لكنها تعرضت للاختطاف بعد وقت قصير من إقلاعها.

في البداية، لم يكن واضحًا أن الولايات المتحدة أمام هجوم منسق؛ فقد بدا الأمر وكأنه حادث طيران مأساوي، قبل أن تكشف الدقائق التالية أن ما يحدث أكبر بكثير.

واشتعلت النيران في الطوابق العليا من البرج، وتصاعد دخان كثيف فوق مانهاتن، فيما بدأت وسائل الإعلام الأمريكية قطع برامجها لنقل الصور المباشرة من موقع الحادث.

9:03 صباحًا.. الضربة الثانية تكشف حجم الهجوم

بعد أقل من عشرين دقيقة، وفي الساعة 9:03 صباحًا، اصطدمت طائرة الرحلة 175 التابعة لشركة «يونايتد إيرلاينز» بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي.

هذه المرة، كانت الكاميرات تنقل المشهد على الهواء مباشرة، وشاهد ملايين الأشخاص حول العالم الطائرة وهي تصطدم بالمبنى.

عندها أصبح واضحًا أن ما يجري ليس حادثًا منفردًا، وإنما هجوم منسق يستهدف الولايات المتحدة.

وبعد لحظات، بدأت عمليات إخلاء واسعة لمباني مركز التجارة العالمي والمناطق المحيطة به، فيما تحولت شوارع مانهاتن إلى مشهد من الفوضى والدخان والهلع.

9:37 صباحًا.. البنتاغون يدخل دائرة الاستهداف

وفي الساعة 9:37 صباحًا، اصطدمت الرحلة 77 التابعة لشركة «أمريكان إيرلاينز» بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون في ولاية فرجينيا.

وكان المبنى، الذي يضم مقر وزارة الدفاع الأمريكية، ثالث موقع رئيسي يتعرض للهجوم خلال أقل من ساعة.

وأدى الاصطدام إلى اندلاع حريق كبير وسقوط ضحايا بين الموجودين داخل المبنى وعلى متن الطائرة.

وبوصول الهجوم إلى العاصمة الأمريكية، اتضح أن العملية تستهدف رموزًا أساسية للقوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية للولايات المتحدة.

9:59 صباحًا.. انهيار البرج الجنوبي

بعد أقل من ساعة على اصطدام الطائرة الثانية به، انهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي عند الساعة 9:59 صباحًا.

وكان انهيار البرج صدمة جديدة، إذ شاهد الملايين المبنى الضخم يتحول خلال ثوانٍ إلى سحابة هائلة من الغبار والحطام.

وسرعان ما أدرك الموجودون في المنطقة أن الخطر لم يعد مقتصرًا على الطوابق العليا، وإنما أصبح انهيار المباني نفسها احتمالًا حقيقيًا.

10:03 صباحًا.. الطائرة الرابعة تتحطم في بنسلفانيا

وفي الساعة 10:03 صباحًا، تحطمت الرحلة 93 التابعة لشركة «يونايتد إيرلاينز» في حقل قرب شانكسفيل بولاية بنسلفانيا.

وكانت الطائرة قد أقلعت من نيوارك متجهة إلى سان فرانسيسكو، وتمكن عدد من ركابها وأفراد طاقمها من معرفة ما حدث للطائرات الأخرى عبر الاتصالات الهاتفية.

وبحسب التحقيقات، حاول الركاب السيطرة على الطائرة ومواجهة الخاطفين، قبل أن تتحطم.

ولم تصل الطائرة إلى هدفها، ويُعتقد على نطاق واسع أن مقاومة الركاب حالت دون وصولها إلى هدف محتمل في العاصمة الأمريكية.

10:28 صباحًا.. انهيار البرج الشمالي

وفي الساعة 10:28 صباحًا، انهار البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي، بعد نحو ساعة وأربعين دقيقة من اصطدام الطائرة الأولى به.

انهار البرج وسط سحابة ضخمة من الغبار والدخان، وتحول الموقع إلى واحد من أكثر مشاهد الدمار التي بقيت عالقة في الذاكرة الجماعية للعالم.

وفي غضون ساعات قليلة، اختفت أبراج مركز التجارة العالمي التي كانت من أبرز معالم أفق نيويورك، وتحولت المنطقة المحيطة بها إلى ما أصبح يعرف لاحقًا باسم «غراوند زيرو».

نحو ثلاثة آلاف قتيل

خلفت هجمات 11 سبتمبر مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، بينهم ركاب الطائرات، وموظفون في مركز التجارة العالمي، وعناصر من الشرطة والإطفاء وأجهزة الطوارئ الذين اندفعوا إلى الموقع لإنقاذ المحاصرين.

وكان من بين الضحايا عدد كبير من رجال الإطفاء وأفراد الشرطة، الذين فقدوا حياتهم أثناء محاولتهم إجلاء الناس وإنقاذهم.

كما أصيب آلاف آخرون، فيما تعرض عدد كبير من العاملين ورجال الإنقاذ في موقع الهجمات لآثار صحية طويلة الأمد نتيجة الدخان والغبار والمواد السامة التي انتشرت في المنطقة.

إغلاق المجال الجوي الأمريكي

في أعقاب الهجمات، اتخذت السلطات الأمريكية قرارًا غير مسبوق بإغلاق المجال الجوي المدني في الولايات المتحدة.

وتوقفت الرحلات الجوية، وأُعيدت الطائرات الموجودة في الجو إلى المطارات أو جرى تحويلها إلى وجهات أخرى.

وكان القرار تعبيرًا عن حجم الصدمة والقلق من احتمال وجود طائرات أخرى مختطفة أو هجمات إضافية قيد التنفيذ.

ولم تعد حركة الطيران في الولايات المتحدة إلى طبيعتها سريعًا، كما تغيرت إجراءات السفر والأمن في المطارات بصورة جذرية خلال السنوات التالية.

من المسؤول عن الهجمات؟

وجهت الولايات المتحدة مسؤولية الهجمات إلى تنظيم القاعدة، الذي كان يقوده آنذاك أسامة بن لادن.

وبعد الهجمات، تحولت ملاحقة تنظيم القاعدة وقياداته إلى أولوية رئيسية في السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية.

وفي الأسابيع التالية، حشدت واشنطن تحالفًا دوليًا واسعًا، وبدأت التحرك العسكري ضد نظام طالبان في أفغانستان، الذي كان يؤوي قيادة تنظيم القاعدة.

الحرب على الإرهاب

لم تتوقف تداعيات 11 سبتمبر عند أفغانستان، بل أطلقت الولايات المتحدة ما أسمته «الحرب على الإرهاب».

وأُنشئت مؤسسات وإجراءات أمنية جديدة، وشُددت الرقابة على الحدود والمطارات، وتوسعت صلاحيات أجهزة الاستخبارات والأمن.

كما أعيد النظر في قوانين مكافحة الإرهاب داخل الولايات المتحدة وخارجها، وأصبحت قضايا الأمن ومكافحة التنظيمات المسلحة في صدارة الأجندة الدولية.

من أفغانستان إلى العراق

بعد أقل من عامين على هجمات 11 سبتمبر، غزت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراق سنة 2003، رغم أن نظام صدام حسين لم يكن هو الجهة التي نفذت هجمات 11 سبتمبر.

وأدى الغزو إلى إسقاط النظام العراقي، لكنه فتح أيضًا مرحلة طويلة من الحرب وعدم الاستقرار، وأصبح واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل في السياسة الدولية خلال القرن الحادي والعشرين.

وهكذا امتدت تداعيات يوم واحد في سبتمبر 2001 إلى حروب وصراعات سياسية وأمنية استمرت سنوات طويلة.

العالم بعد 11 سبتمبر

لم تتغير السياسة الدولية وحدها بعد الهجمات؛ فقد تغيرت أيضًا تفاصيل الحياة اليومية لملايين الناس.

أصبحت إجراءات التفتيش في المطارات أكثر صرامة، وفرضت قيود جديدة على السفر، وتوسعت أنظمة المراقبة وجمع المعلومات.

كما دخلت مفاهيم مثل الأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، والتطرف العنيف، وأمن الحدود بقوة إلى الخطاب السياسي والإعلامي العالمي.

وفي المقابل، أثارت الإجراءات الأمنية الجديدة نقاشًا واسعًا حول التوازن بين حماية المجتمعات والحفاظ على الخصوصية والحريات المدنية.

11 سبتمبر.. ذكرى لا تزال حاضرة

بعد مرور سنوات طويلة، لم تفقد هجمات الحادي عشر من سبتمبر حضورها في الذاكرة العالمية.

ففي نيويورك، أقيم النصب التذكاري ومتحف 11 سبتمبر في موقع مركز التجارة العالمي، تخليدًا لذكرى الضحايا.

وفي كل عام، تُتلى أسماء الذين قتلوا في الهجمات، بينما تتوقف الولايات المتحدة عند ذكراهم في مراسم رسمية وشعبية.

لكن ذاكرة 11 سبتمبر لا تتعلق فقط بالضحايا والمباني التي انهارت؛ إنها أيضًا ذاكرة مرحلة كاملة تغيرت فيها طبيعة الحروب، وشكل الأمن الدولي، والعلاقات بين الدول، وطريقة تعامل الحكومات مع خطر الإرهاب.

يومٌ غيّر وجه العالم

في الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم يكن العالم يشاهد مجرد هجوم على مدينة أو دولة؛ كان يشاهد بداية مرحلة جديدة.

انهارت أبراج مركز التجارة العالمي، واشتعل مبنى البنتاغون، وتحطمت طائرة في بنسلفانيا، وسقط آلاف الضحايا في ساعات قليلة.

لكن آثار ذلك اليوم لم تسقط مع الأبراج؛ فقد امتدت إلى أفغانستان والعراق، وإلى المطارات والحدود وأجهزة الأمن، وإلى السياسة الدولية والخطاب السياسي والاجتماعي حول الأمن ومواجهة العنف المسلح والحروب والحريات العامة.

ولهذا ظل 11 سبتمبر أحد أكثر التواريخ حضورًا في ذاكرة القرن الحادي والعشرين؛ يومًا بدأت أحداثه في صباح واحد، لكنها غيّرت مسارات دول وحروب وسياسات، وتركت العالم أمام سؤال لم يكن مطروحًا بهذه القوة من قبل: كيف سيكون شكل العالم بعد 11 سبتمبر؟