
الريادة: في مثل هذا اليوم، السادس والعشرين من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية والعالمية محطات متعددة من التاريخ، ارتبط بعضها بالتحولات السياسية والاستقلالات، فيما ارتبط بعضها الآخر بالحروب والعلوم والثقافة، في يوم تختزل أحداثه جوانب مختلفة من مسيرة القرن العشرين وما سبقه.
وفي موريتانيا، يأتي السادس والعشرون من أغشت ضمن مرحلة تاريخية كانت البلاد فيها تعيش مخاض بناء الدولة الوطنية، بينما كانت إفريقيا تتخلص تدريجيًا من الاستعمار، وتتشكل على امتداد القارة دول جديدة تبحث عن مكانها في النظام الدولي.
وعلى المستوى العالمي، ارتبط 26 أغشت بمحطات بارزة، من إعلان حقوق المرأة في الولايات المتحدة، إلى توقيع ميثاق الأطلسي، واستقلال ناميبيا، وصولًا إلى أحداث علمية وسياسية تركت آثارًا امتدت إلى ما بعد يومها.
1789.. إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا
في 26 أغشت 1789، أقرت الجمعية الوطنية التأسيسية الفرنسية إعلان حقوق الإنسان والمواطن، أحد أشهر النصوص السياسية في تاريخ العالم الحديث.
وجاء الإعلان في خضم الثورة الفرنسية، التي كانت قد اندلعت قبل أسابيع، متأثرًا بأفكار عصر التنوير ومؤكدًا مبادئ الحرية والمساواة والسيادة الشعبية.
وأصبح الإعلان لاحقًا من أهم الوثائق المؤسسة للفكر السياسي الحديث، كما ترك أثرًا كبيرًا في تطور مفاهيم الحقوق والحريات والمواطنة.
وقد تحول السادس والعشرون من أغشت إلى تاريخ بارز في الذاكرة السياسية الفرنسية، باعتباره اليوم الذي وُلدت فيه إحدى أهم الوثائق التي صاغت تصورًا جديدًا للعلاقة بين الدولة والمواطن.
1920.. إقرار حق المرأة في التصويت بالولايات المتحدة
وفي 26 أغشت 1920، دخل التعديل التاسع عشر للدستور الأميركي حيز التنفيذ، مانحًا النساء في الولايات المتحدة حق التصويت على المستوى الوطني.
وجاء ذلك بعد عقود من نضال الحركة النسائية الأميركية من أجل المشاركة السياسية والمساواة في الحقوق.
وكان اعتماد التعديل محطة مفصلية في تاريخ الحياة السياسية الأميركية، ومكسبًا كبيرًا للحركة المطالبة بحقوق المرأة.
وأصبح 26 أغشت لاحقًا مناسبة وطنية في الولايات المتحدة للاحتفاء بتاريخ حصول النساء على حق التصويت.
1939.. توقيع ميثاق الأطلسي
وفي 26 أغشت 1941، أُعلن نص ميثاق الأطلسي الذي كان قد اتفق عليه الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل خلال اجتماعهما في أغسطس من العام نفسه.
ووضع الميثاق مجموعة من المبادئ المتعلقة بالنظام الدولي بعد الحرب، من بينها عدم السعي إلى التوسع الإقليمي، واحترام حق الشعوب في اختيار شكل الحكم الذي تعيش في ظله.
وأصبح الميثاق لاحقًا أحد النصوص السياسية التي مهدت لتشكيل النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، كما ساهمت مبادئه في النقاشات التي قادت إلى تأسيس منظمة الأمم المتحدة.
1944.. تحرير باريس يكتمل
وفي 26 أغشت 1944، خرجت باريس من أجواء التحرير التي بدأت قبل يوم، بعد أن دخلت قوات الحلفاء العاصمة الفرنسية وانتهى الاحتلال الألماني.
وكان الجنرال شارل ديغول قد سار في شوارع باريس وسط حشود كبيرة، في مشهد أصبح من أكثر صور نهاية الاحتلال النازي شهرة.
وكان تحرير باريس يمثل انتصارًا رمزيًا وعسكريًا مهمًا، فقد أعاد العاصمة الفرنسية إلى سيطرة الحكومة الفرنسية الحرة، ورفع معنويات المقاومة والحلفاء في وقت كانت فيه القوات الألمانية تتراجع على الجبهة الغربية.
وأصبح أغسطس 1944 نقطة تحول أساسية في تاريخ فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، بعدما استعادت البلاد عاصمتها قبل أشهر قليلة من نهاية الحرب في أوروبا.
1961.. بدء بناء جدار برلين
وفي 26 أغشت 1961، كان جدار برلين قد أصبح واقعًا جديدًا يقسم المدينة، بعد أن بدأت سلطات ألمانيا الشرقية في إقامة الحواجز والأسلاك التي فصلت برلين الشرقية عن الغربية.
وكانت عملية إغلاق الحدود قد بدأت في 13 أغسطس، في محاولة لمنع سكان ألمانيا الشرقية من الوصول إلى الغرب.
وتحول الجدار خلال العقود التالية إلى أحد أبرز رموز الحرب الباردة والانقسام بين المعسكرين الشرقي والغربي.
وظل قائمًا حتى سقوطه في نوفمبر 1989، عندما بدأت مرحلة جديدة من تاريخ أوروبا انتهت لاحقًا بإعادة توحيد ألمانيا.
1966.. انطلاق مهمة «لونا 11»
وفي 26 أغشت 1966، أطلق الاتحاد السوفييتي المركبة الفضائية لونا 11 في إطار برنامجه لاستكشاف القمر.
وكانت المركبة مخصصة لدراسة القمر وبيئته، وجاء إطلاقها ضمن السباق الفضائي المحتدم بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة خلال الحرب الباردة.
وأظهرت مهمات برنامج «لونا» قدرة متقدمة على إرسال المركبات إلى القمر وجمع البيانات العلمية، وأسهمت في تطوير المعرفة البشرية بالقمر والفضاء القريب من الأرض.
1990.. استقلال ناميبيا يقترب من عامه الأول
وفي 26 أغشت 1990، كانت ناميبيا قد دخلت عامها الأول في مسار الدولة المستقلة، بعد أن نالت استقلالها عن جنوب إفريقيا في مارس من العام نفسه.
وكان استقلال ناميبيا ثمرة عقود من النضال السياسي والعسكري، وواحدًا من آخر فصول تصفية الاستعمار في القارة الإفريقية.
وقد مثل استقلالها محطة مهمة في تاريخ إفريقيا الجنوبية، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تحولات سياسية عميقة ستقود بعد سنوات قليلة إلى نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
1991.. لينينغراد تعود إلى اسمها التاريخي
وفي 26 أغشت 1991، أعيد التأكيد على إعادة اسم مدينة لينينغراد إلى اسمها التاريخي سانت بطرسبورغ، في سياق التحولات السياسية التي شهدها الاتحاد السوفييتي خلال أيامه الأخيرة.
وكان اسم المدينة قد تغير إلى لينينغراد عام 1924، بعد وفاة فلاديمير لينين.
وجاءت عودة الاسم التاريخي في مرحلة كانت فيها الجمهوريات السوفييتية تعلن استقلالها، بينما كانت السلطة المركزية في موسكو تفقد قدرتها على السيطرة.
وأصبحت سانت بطرسبورغ لاحقًا إحدى أبرز المدن الروسية وأكثرها ارتباطًا بتاريخ البلاد الإمبراطوري والثقافي.
26 أغشت.. يوم تتقاطع فيه الثورة والحقوق والحرب والفضاء
عند جمع محطات السادس والعشرين من أغشت، تظهر أمامنا ذاكرة تاريخية متعددة الوجوه.
ففي فرنسا، ارتبط اليوم بإعلان حقوق الإنسان والمواطن، إحدى الوثائق المؤسسة لعصر الحقوق والحريات.
وفي الولايات المتحدة، حمل 26 أغشت ذكرى حصول النساء على حق التصويت، بعد عقود من النضال السياسي.
وفي أوروبا، ارتبط اليوم بتحرير باريس وبواحد من أكثر رموز الحرب الباردة حضورًا، وهو جدار برلين.
أما في إفريقيا، فتذكرنا ذاكرة هذا اليوم بموجة الاستقلال التي أعادت رسم خريطة القارة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وفي الفضاء، كان السادس والعشرون من أغشت جزءًا من السباق العلمي الذي دفع الإنسان إلى إرسال مركباته نحو القمر والكواكب.
السادس والعشرون من أغشت.. ذاكرة الحقوق والتحولات الكبرى
لا يبدو السادس والعشرون من أغشت يومًا عاديًا في سجل التاريخ؛ فهو يوم ارتبط مرارًا بتغير علاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع والعالم من حوله.
إعلان يضع مبادئ للحرية والمساواة، ونساء ينتزعن حق المشاركة السياسية، وعاصمة تتحرر من الاحتلال، ومدينة تنقسم بجدار، وشعوب إفريقية تشق طريقها نحو الاستقلال، ومركبات فضائية تغادر الأرض بحثًا عن أسرار القمر.
وهكذا، فإن ذاكرة السادس والعشرين من أغشت تكشف كيف يمكن لتاريخ واحد أن يجمع بين الثورة والحرية، والحقوق والاستقلال، والحرب والسلام، والانقسام والوحدة، والعلم واكتشاف المجهول.
إنها ذاكرة الأيام؛ حيث لا تبقى الأحداث الكبرى محصورة في لحظة وقوعها، بل تمتد آثارها لتعيد تشكيل حياة الشعوب والدول، وتفتح الطريق أمام مراحل جديدة من التاريخ.




