ذاكرة الأيام | 25 أغشت.. من مؤتمر كيهيدي إلى تحرير باريس ورحلة «فوياجر» إلى الفضاء

الريادة: في مثل هذا اليوم، الخامس والعشرين من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية محطة من تاريخ الحركة الوطنية، حين احتضنت مدينة كيهيدي يومي 25 و26 أغشت 1958 المؤتمر التأسيسي لحزب النهضة، في مرحلة كانت البلاد خلالها تخوض نقاشًا سياسيًا متسارعًا حول مستقبلها وموقعها من مشروع الاستقلال.

وجاء مؤتمر النهضة في سياق سياسي إقليمي كانت فيه المستعمرات الإفريقية تتجه نحو تقرير مصيرها، بينما كانت فرنسا تستعد لطرح دستور جديد ومشروع «الجماعة الفرنسية» على أقاليمها.

وطرح المؤتمر موقفًا سياسيًا واضحًا من مسألة مستقبل موريتانيا، رافضًا مبدأ فرض ميثاق سياسي من الخارج، ومؤكدًا حق البلاد في تقرير مصيرها، كما انتخب قيادة للحزب ضمت عددًا من أبرز الوجوه السياسية في تلك المرحلة.

وكان ذلك المؤتمر واحدًا من المحطات التي عكست تنامي النقاش الوطني حول الاستقلال، قبل أن تعلن موريتانيا استقلالها في 28 نوفمبر 1960.

لكن قيمة الخامس والعشرين من أغشت لا تتوقف عند الذاكرة الموريتانية؛ فعلى المستوى العالمي، ارتبط هذا التاريخ بمحطات فارقة في السياسة والحروب والاستكشاف والعلوم، من تحرير باريس في الحرب العالمية الثانية، إلى رحلة «فوياجر 2» التاريخية نحو نبتون، واستعادة بيلاروسيا استقلالها، وصولًا إلى دخول «فوياجر 1» الفضاء بين النجمي.

1609.. غاليليو يعرض تلسكوبه

وفي 25 أغشت 1609، عرض عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي أحد أوائل تلسكوباته أمام مجلس الشيوخ في البندقية، في خطوة شكلت محطة مهمة في تاريخ الرصد الفلكي.

وسرعان ما استخدم غاليليو التلسكوب للنظر إلى السماء، وقدم لاحقًا مشاهدات غيرت فهم الإنسان للكون، من تضاريس سطح القمر إلى أقمار المشتري ومراحل كوكب الزهرة.

ولم يكن التلسكوب مجرد أداة جديدة للرصد، بل أصبح وسيلة فتحت الطريق أمام ثورة علمية أعادت صياغة تصورات قديمة عن الأرض وموقعها في الكون.

1825.. الأوروغواي تعلن استقلالها

وفي 25 أغشت 1825، أعلنت الأوروغواي استقلالها عن الإمبراطورية البرازيلية، في محطة أساسية من تاريخ الدولة الواقعة في جنوب أميركا.

وجاء الإعلان بعد سنوات من الصراع على الإقليم، الذي كان محل تنافس بين القوى الاستعمارية والإقليمية، قبل أن تتبلور لاحقًا دولة أوروغواي المستقلة.

وأصبح 25 أغشت عيد الاستقلال الوطني في الأوروغواي، وواحدًا من أبرز التواريخ المؤسسة للهوية السياسية للدولة.

1875.. أول عبور ناجح للمانش

وفي 25 أغشت 1875، أصبح البحار البريطاني ماثيو ويب أول شخص معروف ينجح في عبور بحر المانش سباحة، من دوفر في إنجلترا إلى كاليه في فرنسا.

واستغرقت الرحلة قرابة 22 ساعة، في ظروف بحرية صعبة، لتتحول المغامرة إلى إنجاز رياضي استثنائي في القرن التاسع عشر.

وكان عبور المانش سباحة من التحديات التي بدت لسنوات شديدة الصعوبة، قبل أن يثبت ويب إمكانية تحقيقها ويؤسس لتاريخ طويل من المنافسات والمحاولات لعبور القناة.

1944.. باريس تتحرر من الاحتلال الألماني

ويظل 25 أغشت 1944 أحد أشهر تواريخ القرن العشرين، ففيه تحررت العاصمة الفرنسية باريس من الاحتلال الألماني بعد أربع سنوات من السيطرة النازية.

وكانت المقاومة الفرنسية قد بدأت انتفاضة داخل العاصمة في 19 أغشت، بالتزامن مع تقدم قوات الحلفاء، قبل أن تدخل قوات الفرقة المدرعة الثانية بقيادة الجنرال فيليب لوكليرك، إلى جانب القوات الأميركية، باريس في 25 أغشت.

وفي ذلك اليوم استسلم الجنرال الألماني ديتريش فون شولتتز، قائد حامية باريس، ووقع وثيقة الاستسلام، فيما وصل الجنرال شارل ديغول إلى العاصمة وألقى خطابه الشهير من مبنى البلدية.

ولم يكن تحرير باريس انتصارًا عسكريًا فقط؛ فقد حمل أهمية سياسية ورمزية كبيرة، إذ مثّل عودة العاصمة الفرنسية إلى سيطرة الحكومة الفرنسية الحرة بعد سنوات الاحتلال.

1944.. رومانيا تغيّر موقفها في الحرب

وفي اليوم نفسه، اتخذت رومانيا قرارًا بالانضمام إلى معسكر الحلفاء وإعلان الحرب على ألمانيا، بعد الإطاحة بالمارشال إيون أنتونيسكو قبل أيام.

وجاء التحول في وقت كانت فيه قوات الاتحاد السوفييتي تتقدم داخل الأراضي الرومانية، وكانت دول المحور تواجه تراجعًا متسارعًا على الجبهات الأوروبية.

وأصبح تغيير موقف رومانيا جزءًا من التحولات العسكرية والسياسية الكبرى التي عجّلت بانهيار النفوذ الألماني في جنوب شرق أوروبا خلال الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.

1989.. «فوياجر 2» تصل إلى نبتون

وفي 25 أغشت 1989، سجل تاريخ استكشاف الفضاء واحدة من أبرز لحظاته، عندما حلقت المركبة الأميركية Voyager 2 بالقرب من كوكب نبتون.

وكانت المركبة قد قطعت رحلة هائلة عبر النظام الشمسي، وأصبحت أول مركبة من صنع الإنسان تحلق بالقرب من نبتون، على مسافة تقارب 4800 كيلومتر من قمم سحب الكوكب.

وخلال المهمة، اكتشفت «فوياجر 2» ستة أقمار جديدة لنبتون وأربع حلقات، وقدمت صورًا وبيانات كشفت عن عالم أكثر نشاطًا وتعقيدًا مما كان العلماء يتوقعون.

وكان مرورها قرب نبتون آخر محطة في جولتها الكبرى على الكواكب العملاقة، قبل أن تواصل رحلتها نحو أطراف النظام الشمسي.

1991.. بيلاروسيا تستعيد استقلالها

وفي 25 أغشت 1991، أعلنت بيلاروسيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، في خضم الأزمة السياسية التي كانت تعصف بموسكو والمنظومة السوفييتية.

وجاء الإعلان بعد أيام من محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، والتي أدت إلى تسارع حركات الاستقلال في عدد من الجمهوريات السوفييتية.

وأصبح استقلال بيلاروسيا جزءًا من سلسلة الأحداث التي انتهت في نهاية العام نفسه بانهيار الاتحاد السوفييتي وظهور دول مستقلة جديدة على خريطة أوروبا وآسيا.

2012.. «فوياجر 1» تدخل الفضاء بين النجمي

وفي 25 أغشت 2012، دخلت المركبة الأميركية Voyager 1 المنطقة التي تُعرف بالفضاء بين النجمي، بعدما غادرت الغلاف الشمسي أو «الهليوسفير».

وكانت المركبة قد أطلقت عام 1977، واستمرت في إرسال البيانات العلمية إلى الأرض بعد عقود من مغادرتها.

ومثّل وصولها إلى الفضاء بين النجمي إنجازًا تاريخيًا؛ إذ أصبحت أول مركبة من صنع الإنسان تعبر الحدود الخارجية لتأثير الرياح الشمسية وتدخل البيئة بين النجوم.

25 أغشت.. من كيهيدي إلى نبتون

عند جمع محطات الخامس والعشرين من أغشت، تبدو الذاكرة وكأنها تتحرك بين مسارات متعددة.

في موريتانيا، كان مؤتمر كيهيدي عام 1958 محطة في مسار النقاش الوطني حول تقرير المصير والاستقلال، في مرحلة كانت البلاد تقترب فيها من واحدة من أهم التحولات في تاريخها الحديث.

وفي أوروبا، كان 25 أغشت 1944 يومًا لانهيار الاحتلال الألماني في باريس، بينما كانت رومانيا تعيد رسم موقعها في الحرب العالمية الثانية.

وفي أميركا الجنوبية، ارتبط اليوم باستقلال الأوروغواي، وفي العلم ارتبط باسم غاليليو وبداية عصر جديد من مراقبة السماء.

أما الفضاء، فقد حمل هذا التاريخ بصمتين استثنائيتين: وصول «فوياجر 2» إلى نبتون عام 1989، ثم دخول «فوياجر 1» الفضاء بين النجمي عام 2012.

الخامس والعشرون من أغشت.. ذاكرة الاستقلال والتحرر والاكتشاف

لا يبدو الخامس والعشرون من أغشت يومًا عاديًا في سجل التاريخ؛ فهو تاريخ تكررت فيه لحظات التحول من واقع إلى آخر.

حركات وطنية تبحث عن الاستقلال، وعواصم تتحرر من الاحتلال، ودول تعيد تحديد موقعها في الصراعات الكبرى، وشعوب تستعيد سيادتها، وعلماء يوسعون حدود المعرفة، ومركبات فضائية تتجاوز الكواكب لتصل إلى تخوم النظام الشمسي.

ومن كيهيدي إلى باريس، ومن الأوروغواي إلى بيلاروسيا، ومن تلسكوب غاليليو إلى «فوياجر»، تختصر ذاكرة الخامس والعشرين من أغشت جانبًا من تاريخ البشرية في بحثها المستمر عن الحرية والسيادة والمعرفة واكتشاف المجهول.

إنها ذاكرة الأيام؛ حيث تتقاطع في تاريخ واحد حكايات الشعوب والدول والحروب والعلوم، لتكشف أن التحولات الكبرى قد تبدأ من قاعة مؤتمر، أو شارع في عاصمة، أو قرار سياسي، أو حتى عدسة تلسكوب موجهة نحو السماء.