
الريادة: في مثل هذا اليوم، الخامس عشر من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية محطة مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، حين بدأ في 15 أغشت 1979 الانسحاب الموريتاني من إقليم تيرس الغربية، تنفيذًا لقرار الخروج النهائي من حرب الصحراء الغربية، في تحول أنهى مرحلة عسكرية ثقيلة وفتح أمام موريتانيا صفحة جديدة من البحث عن الاستقرار والحياد.
ويكتسب هذا التاريخ أهميته من موقعه في مسار بالغ الحساسية من تاريخ الجمهورية؛ فبعد اتفاق السلام الموريتاني ـ الصحراوي الموقع في الجزائر في 10 أغشت 1979، أعلنت الحكومة الموريتانية أنها ستنسحب ابتداءً من 15 أغشت من تيرس الغربية، وأنها لم تعد تملك أي مطالب إقليمية في الصحراء الغربية. كما أعلنت خروجها نهائيًا من الحرب.
وهكذا لم يكن الخامس عشر من أغشت مجرد تاريخ عسكري، بل كان بداية تحول استراتيجي في سياسة موريتانيا تجاه واحد من أعقد نزاعات المنطقة، بعد سنوات من الحرب التي أثقلت كاهل الدولة وأثرت في اقتصادها وأمنها وعلاقاتها الإقليمية.
1979.. موريتانيا تنسحب من الحرب
كانت موريتانيا قد دخلت حرب الصحراء الغربية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، في سياق ترتيبات ما بعد خروج إسبانيا من الإقليم، قبل أن تتغير المعادلات السياسية والعسكرية بعد انقلاب 1978 الذي أطاح بنظام المختار ولد داداه.
ومع وصول السلطة العسكرية الجديدة إلى الحكم، بدأت نواكشوط البحث عن مخرج من الحرب، وصولًا إلى اتفاق السلام مع جبهة البوليساريو في الجزائر في 10 أغشت 1979.
ونص الاتفاق على تخلي موريتانيا عن مطالبها الإقليمية في الصحراء الغربية وخروجها من الحرب بصورة نهائية. وبعد أيام قليلة، دخل قرار الانسحاب حيز التنفيذ في 15 أغشت.
وكان القرار يحمل بالنسبة لموريتانيا أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري؛ إذ كانت البلاد تواجه في تلك الفترة أوضاعًا اقتصادية صعبة، فيما كانت الحرب تستنزف الموارد وتفرض على الدولة أعباء عسكرية وأمنية متزايدة.
انسحاب يفتح صفحة جديدة
مع بدء الانسحاب، كانت موريتانيا تعيد رسم موقعها في النزاع الإقليمي.
ففي إعلانها، أكدت الحكومة أنها لم تعد تملك أي مطالب إقليمية في الصحراء الغربية، وأنها تريد الخروج نهائيًا من الحرب، كما دعت الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية إلى تحمل مسؤولياتهما في القضية.
لكن الانسحاب لم يكن نهاية فورية للتوتر.
فقد كانت المنطقة تعيش تحولات سريعة، وكانت القوات المغربية قد تحركت إلى مناطق كانت الإدارة الموريتانية قد انسحبت منها، بينما استمرت جبهة البوليساريو في مواجهة المغرب.
وهكذا وجدت موريتانيا نفسها أمام مهمة جديدة: حماية حدودها وسيادتها، وإعادة ترتيب علاقاتها مع جيرانها، بعيدًا عن المشاركة المباشرة في الحرب.
15 أغشت.. نهاية مرحلة وبداية أخرى
يُظهر هذا التاريخ كيف يمكن لقرار عسكري أن يتحول إلى نقطة تحول في السياسة الخارجية لدولة بأكملها.
فبعد سنوات من الانخراط في الحرب، اختارت نواكشوط الانسحاب وإعلان عدم وجود مطالب إقليمية لها في الصحراء الغربية.
وكان ذلك جزءًا من سياسة جديدة سعت من خلالها السلطة إلى تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية، وإعادة توجيه اهتمام الدولة نحو الداخل.
وبذلك أصبح الخامس عشر من أغشت أحد التواريخ التي تختصر مرحلة الانتقال من سياسة الحرب إلى سياسة البحث عن الاستقرار.
1945.. العالم يسمع إعلان نهاية الحرب
وعلى الصعيد العالمي، يحمل الخامس عشر من أغشت واحدة من أعظم لحظات القرن العشرين.
ففي 15 أغشت 1945، ألقى الإمبراطور الياباني هيروهيتو خطابًا إذاعيًا أعلن فيه قبول اليابان شروط الحلفاء والاستسلام، في إعلان مهّد للنهاية الفعلية للحرب العالمية الثانية.
وكانت اليابان قد وافقت على شروط إعلان بوتسدام بعد أسابيع من القتال والقصف، وبعد إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي ودخول الاتحاد السوفييتي الحرب ضد اليابان.
وبث خطاب الإمبراطور إلى الشعب الياباني عند ظهر 15 أغشت، ليصبح ذلك اليوم في عدد من الدول رمزًا للانتصار على اليابان ونهاية الحرب في آسيا والمحيط الهادئ.
أما وثائق الاستسلام الرسمية، فقد وُقعت لاحقًا في 2 سبتمبر 1945 على متن البارجة الأميركية يو إس إس ميزوري في خليج طوكيو.
وهكذا حمل 15 أغشت 1945 خبرًا أنهى واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ، وفتح الباب أمام إعادة بناء العالم على أنقاض الحرب.
1947.. الهند تستقل
وفي الخامس عشر من أغشت 1947، أصبحت الهند دولة مستقلة بعد نحو قرنين من الهيمنة البريطانية.
ورفع رئيس الوزراء الأول جواهر لال نهرو راية الاستقلال في نيودلهي، إيذانًا بقيام دولة جديدة في شبه القارة الهندية.
لكن الاستقلال جاء مصحوبًا بتقسيم شبه القارة إلى الهند وباكستان، وبموجات هجرة جماعية وعنف واسع خلّف أعدادًا هائلة من الضحايا.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح 15 أغشت يوم الاستقلال الوطني في الهند، وواحدًا من أهم التواريخ في تاريخ التحرر من الاستعمار.
ومن المفارقات أن التاريخ نفسه الذي شهد نهاية حرب عالمية كبرى عام 1945، شهد بعد عامين ولادة واحدة من أكبر الدول المستقلة في آسيا.
1948.. ولادة جمهورية كوريا
وبعد عام واحد، وفي 15 أغشت 1948، أُعلنت جمهورية كوريا في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الكورية.
وكانت كوريا قد تحررت من الحكم الياباني عام 1945، لكن التحرير أعقبه انقسام شبه الجزيرة بين مناطق نفوذ مختلفة، قبل أن تتحول الانقسامات السياسية إلى قيام دولتين منفصلتين.
وأصبح 15 أغشت في كوريا الجنوبية مناسبة وطنية تعرف باسم غوانغبوكجول، أي يوم استعادة النور، وتستعيد ذكرى التحرر من الحكم الاستعماري الياباني.
وهكذا ارتبط الخامس عشر من أغشت في آسيا بسلسلة من التحولات الكبرى: نهاية الإمبراطورية اليابانية، استقلال الهند، ثم قيام دولة كوريا الجنوبية.
1960.. الكونغو تستقل عن فرنسا
وفي إفريقيا، شهد 15 أغشت 1960 استقلال جمهورية الكونغو، المعروفة أيضًا بالكونغو برازافيل، عن فرنسا.
وجاء الاستقلال في قلب موجة التحرر الإفريقية التي اجتاحت القارة خلال عام 1960، الذي أصبح يُعرف بـعام إفريقيا، بعد استقلال عدد كبير من المستعمرات الأوروبية.
وكان استقلال الكونغو جزءًا من التحول الكبير الذي شهدته القارة، حيث بدأت الدول الإفريقية المستقلة حديثًا في بناء مؤسساتها الوطنية وتحديد خياراتها في عالم كان يعيش بداية الحرب الباردة.
1969.. وودستوك وثورة الثقافة
وفي 15 أغشت 1969، انطلقت في الولايات المتحدة فعاليات مهرجان وودستوك الموسيقي، الذي استمر ثلاثة أيام في ولاية نيويورك.
شارك في المهرجان عدد كبير من أشهر موسيقيي تلك المرحلة، وتحول الحدث إلى رمز ثقافي لجيل الستينيات، وللاحتجاجات المرتبطة بالسلام والحرب والحقوق المدنية.
ولم يكن وودستوك مجرد مهرجان موسيقي، بل أصبح علامة ثقافية ارتبطت بجيل كان يبحث عن أنماط جديدة في الحياة والفن والسياسة.
وبينما كانت جيوش العالم تخوض حروبًا في مناطق مختلفة، كان جيل آخر يرفع شعارات السلام والموسيقى والحرية.
1960.. إفريقيا تواصل تحررها
كان استقلال الكونغو في 15 أغشت جزءًا من مشهد أوسع عاشته إفريقيا عام 1960.
ففي ذلك العام حصلت دول عديدة على استقلالها من القوى الاستعمارية الأوروبية، من السنغال ومالي والنيجر وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى إلى الكونغو وساحل العاج وغيرها.
وقد أعاد ذلك رسم الخريطة السياسية للقارة، وفتح أمام الشعوب الإفريقية فرصة بناء دولها الوطنية بعد عقود من الاستعمار.
لكن الاستقلال لم يكن نهاية التحديات، إذ وجدت الدول الجديدة نفسها أمام مشكلات بناء المؤسسات والاقتصاد وتحديد العلاقات الخارجية، إضافة إلى صراعات الحرب الباردة التي سرعان ما وصلت إلى القارة.
15 أغشت.. تاريخ تتجاور فيه نهاية الحروب وبدايات الدول
عند جمع محطات الخامس عشر من أغشت، تظهر صورة تاريخية لافتة.
ففي موريتانيا، كان اليوم موعدًا مع الانسحاب من حرب الصحراء الغربية، والانتقال إلى سياسة جديدة تقوم على الخروج من النزاع.
وفي العالم، كان اليوم نفسه مرتبطًا بنهاية الحرب العالمية الثانية في آسيا، وباستقلال الهند، وقيام جمهورية كوريا، واستقلال الكونغو، وهي كلها أحداث أعادت تشكيل خريطة العالم السياسية.
ومن اللافت أن عددًا من أبرز أحداث هذا اليوم ارتبط بمفهوم واحد: التحرر.
تحرر من الحرب، كما حدث في اليابان؛ وتحرر من الاستعمار، كما حدث في الهند والكونغو؛ وتحرر من الانخراط في نزاع إقليمي، كما حدث في موريتانيا.
الخامس عشر من أغشت.. حين تنتهي مرحلة وتبدأ أخرى
في الذاكرة الموريتانية، يظل 15 أغشت 1979 تاريخًا مرتبطًا بقرار الانسحاب من الحرب، وهو قرار جاء في لحظة كانت البلاد تعيد فيها تعريف أولوياتها وموقعها الإقليمي بعد سنوات من الصراع.
أما في الذاكرة العالمية، فقد تحول اليوم إلى أحد أكثر تواريخ شهر أغشت كثافة بالأحداث؛ ففيه انتهت الحرب العالمية الثانية في آسيا، واستقلت الهند، وتأسست كوريا الجنوبية، واستقلت الكونغو.
وهي أحداث مختلفة في ظروفها ونتائجها، لكنها تشترك في شيء واحد: أن التاريخ لا يتغير دائمًا في لحظة الانتصار وحدها، بل كثيرًا ما يتغير عندما تختار الدول والشعوب أن تفتح صفحة جديدة.
إنها ذاكرة الأيام؛ حيث لا يكتفي التاريخ بتسجيل ما حدث، بل يترك وراء كل تاريخ سؤالًا عن الحروب التي انتهت، والدول التي ولدت، والخيارات التي صنعت عالم اليوم.




