وجب قضاء فائتة.. حين تحضر الدولة لاستقبال أبنائها/ بقلم: بلال عالي أعمر لعبيد

بلال عالي أعمر لعبيد

تأخرتُ في التعليق على هذا الحدث، لكن بعض الأحداث لا تنتهي بانتهاء أخبارها، ولا تفقد دلالتها لمجرد أن ضجيجها الإعلامي خفت. ثمة وقائع تستحق أن نعود إليها بعد أن تهدأ العناوين، لا بحثاً عن خبر فات، وإنما بحثاً عن معنى ربما لم يأخذ حقه من التأمل.

وهكذا وجدتني أعود إلى مشهد استقبال المواطنين الموريتانيين الذين أُفرج عنهم في مالي؛ مشهدٌ قد يبدو، للوهلة الأولى، مجرد خاتمة لرحلة شاقة من الاتصالات والجهود الدبلوماسية، لكنه عند التأمل يتجاوز ذلك بكثير. ففي تفاصيله ما يستحق التوقف، وفي طريقة استقبال أبناء الوطن ما يفتح باباً أوسع للحديث عن معنى الدولة، وعن المواطن حين يجد نفسه بعيداً عن وطنه، ثم يجد وطنه حاضراً لاستعادته.

ليست كل المواقف تُقاس بمدتها الزمنية في نشرات الأخبار، ولا كل الأفعال تُقرأ من زاوية الإجراءات الرسمية والبروتوكولات الجافة. أحياناً، تتحدث التفاصيل الصغيرة بلغة أعمق بكثير مما تقوله البيانات والخطابات الرسمية، وتختزل في لحظة واحدة معنى «الدولة» ومفهوم «المواطنة».

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو عملية استقبال المواطنين الموريتانيين الذين أُفرج عنهم في مالي حدثاً يستحق التوقف والتأمل؛ ليس فقط لأن الجهود نجحت في إعادة أبناء الوطن إلى أرضهم، بل لأن الطريقة التي تمت بها العملية حملت رسالة واضحة ومكثفة: المواطن الموريتاني، مهما نأت به الظروف ومهما تعقدت جغرافية وجوده، يظل في صميم رعاية دولته.

لم تكن الطائرة الخاصة التي أُرسلت من نواكشوط إلى باماكو، بتعليمات مباشرة من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مجرد وسيلة نقل فرضتها ظروف الجوار الأمني المعقد.

كما لم يكن حضور الطاقم الدبلوماسي رفيع المستوى والفريق الطبي المتكامل مجرد إجراء بروتوكولي عابر.

فمراعاة الجانب النفسي والصحي لمواطنين عاشوا ظروف احتجاز قاسية تعكس إدراكاً رسمياً لحجم المعاناة التي مروا بها. كان الفريق الطبي رسالة احتواء قبل أن يكون إجراءً صحياً؛ رسالة تقول للمواطن، بصورة عملية: نعلم ما مررت به، ونحن هنا لنساعدك على تجاوز آثار تلك المحنة.

وهنا تحديداً تتجاوز المسألة حدود النقل والاستقبال، لتلامس معنى أعمق للدولة.

فالدولة لا تُقاس فقط بما تشيده من طرق، أو تؤسسه من بنى تحتية ومؤسسات، وإنما تُقاس أيضاً بقيمتها الأخلاقية والإنسانية، وبطريقة تعاملها مع أبنائها حين يكونون في أضعف حالاتهم، وحين تنقطع بهم الأسباب بعيداً عن ديارهم.

في الأزمات العابرة للحدود، وفي ظل ظروف إقليمية شديدة التعقيد، يحتاج المواطن قبل كل شيء إلى شعور راسخ بأن هناك دولة تقف خلفه، وأن سلامته وحريته ليستا ملفاً هامشياً أو قضية مؤجلة.

ومن هذه الزاوية، تكتسب عملية الإفراج والاستقبال أهمية تتجاوز عدد الأشخاص الذين عادوا إلى وطنهم؛ لأنها تقدم نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الدولة والمواطن: أن تكون الدولة حاضرة في اللحظة الحرجة، لا أن تنتظر حتى تصبح الظروف سهلة ومريحة، وأن تتحول عبارة «حماية المواطن» من شعار متداول إلى فعل ملموس؛ طائرة تُرسل، ووفد يتابع، وفريق طبي يرافق، ودولة تستقبل أبناءها عند عودتهم.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، إغفال التحديات الأخرى أو الادعاء بأن ملفاً واحداً يمكن أن يختزل أداء الدولة كله. فالإنصاف يقتضي تقييم كل ملف في سياقه وظروفه.

لكن الإنصاف نفسه يفرض ألا نمر على المبادرات الإيجابية مرور الكرام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمواطنين وجدوا أنفسهم في محنة خارج حدود وطنهم، ثم وجدوا دولتهم حاضرة لاستعادتهم ومتابعة أوضاعهم.

ثمة فارق بين أن تكون الدولة حاضرة في حياة المواطن عبر مؤسساتها وإجراءاتها اليومية، وبين أن يشعر المواطن بحضورها عندما تضيق به السبل.

في اللحظات العادية قد تبدو الدولة مفهوماً إدارياً مجرداً؛ جواز سفر، ومؤسسة، وقانون، ومعاملة. أما في لحظات الخطر، فإن الدولة تتحول إلى معنى ملموس: جهة يبحث عنها المواطن، وينتظر منها التدخل، ويستمد من حضورها شيئاً من الطمأنينة.

ومن هنا تأتي أهمية هذه العملية.

فالمواطن الذي وجد نفسه بعيداً عن وطنه، وفي ظروف احتجاز قاسية، لم يعد بالنسبة إلى دولته مجرد اسم في قائمة أو رقماً في ملف دبلوماسي. لقد عاد إلى دائرة الاهتمام الإنساني المباشر، من خلال المتابعة والتنسيق والاستقبال والرعاية.

وهذا تحديداً ما يجعل التفاصيل الصغيرة في مثل هذه الأحداث أكثر أهمية من حجمها الظاهر.

لقد انقضت محنة الاحتجاز، وعاد المواطنون إلى ذويهم، لكن القيمة الحقيقية للحدث لا تنتهي بهبوط الطائرة على مدرج المطار.

المعنى الأعمق الذي ينبغي أن يترسخ في الوجدان الجمعي هو أن موريتانيا اختارت أن تؤكد بالفعل، لا بالقول فقط، مبدأً بسيطاً وعميقاً في آن واحد:

أبناؤنا لا يُتركون خلف الحدود.

وفي عالم تتزايد فيه المخاطر، وتضطرب فيه بيئات الجوار، وتتداخل فيها الأزمات الأمنية والإنسانية، تصبح هذه الرسالة بمثابة طمأنة لكل مواطن قد تضطره الظروف إلى التواجد خارج وطنه، ولا سيما في مناطق التماس.

فحماية المواطن ليست ولاية موسمية، ولا مسؤولية تنتهي بانتهاء الأزمة؛ إنها مسؤولية سيادية وسياسية وإنسانية مستمرة، تبدأ بالوقاية والمتابعة، ولا تكتمل إلا بسلامة العودة واستعادة الطمأنينة.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن الدولة، في لحظة كان يمكن أن تختزل فيها القضية في ملف إداري أو إجراء دبلوماسي، اختارت أن تجعل من عودة مواطنيها مناسبة لاستعادة معنى أعمق: أن المواطن، مهما ابتعد، يظل في دائرة اهتمام وطنه.

أما أنا، فقد تأخرت في قضاء هذه الفائتة، لكن بعض الفوائت حين تكون جديرة بالقضاء، يكون التأخر فيها أهون من أن تمر دون أن تُقضى.

السلام عليكم ….