بين حسم المأمورية الثالثة وواقعية الغاز.. كيف رسم الغزواني ملامح المرحلة المقبلة؟

الريادة: لم يكن المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد لقاء للإجابة عن أسئلة الصحفيين، بل جاء أقرب إلى إعلان سياسي متكامل، رسم من خلاله ملامح المرحلة المقبلة وحدد أولويات ماتبقى من المأمورية الثانية.

فمن حسم الجدل بشأن المأمورية الثالثة، إلى إدارة توقعات الموريتانيين بشأن عائدات الغاز، مروراً بملفات الحكامة والأمن والتنمية، بعث الرئيس بجملة من الرسائل التي تعكس رؤية السلطة لإدارة ما تبقى من الولاية الرئاسية، في ظل تحديات داخلية وإقليمية متشابكة.

ويكشف تحليل مضامين المؤتمر أن الرئاسة تسعى إلى الانتقال من مرحلة إدارة السجالات السياسية إلى مرحلة التركيز على التنفيذ، عبر تثبيت الاستقرار المؤسسي، وتعزيز الأداء الحكومي، والحفاظ على توازن السياسة الخارجية في محيط إقليمي مضطرب.

في هذه القراءة التحليلية، سنحاول التوقف عند أبرز ما جاء في هذه الإطلالة الإعلامية الأولى للرئيس مع الصحافة الوطنية منذ توليه مقاليد الحكم، وذلك من خلال المحاور التالية:

حسم مبكر لجدل المأمورية الثالثة

كان أبرز ما حمله المؤتمر إعلان الرئيس، بشكل واضح، رفض أي تعديل دستوري يسمح بمأمورية ثالثة. ولم يكن هذا الموقف مجرد رد على تساؤلات إعلامية، بل رسالة سياسية تستهدف إغلاق باب التأويلات مبكراً، وتوجيه النقاش العام نحو أولويات التنمية والإنجاز، بدلاً من الانشغال باستحقاقات عام 2029.

ويعكس هذا الطرح حرص الرئيس على تقديم المأمورية الثانية باعتبارها مرحلة لاستكمال تنفيذ برنامجه الانتخابي، وترسيخ مبدأ التداول السلمي على السلطة باعتباره أحد مرتكزات الاستقرار السياسي.

مكافحة الفساد… تكريس للمسار المؤسسي

في ملف الحكامة، حرص الرئيس على إعادة تقديم مكافحة الفساد باعتبارها مساراً مؤسسياً يخضع للقانون والقضاء، بعيداً عن منطق تصفية الحسابات السياسية.

واستند في هذا السياق إلى مؤشرات تتعلق بإحالة عدد من الملفات إلى القضاء وتراجع الدين العام، في محاولة لإبراز ما تعتبره السلطة تطوراً في منظومة الرقابة والمساءلة.

وفي السياق ذاته، حمل المؤتمر إشارة سياسية لافتة بإبداء الاستعداد لمراجعة قانون الرموز، بما يحقق توازناً بين حماية مؤسسات الدولة وضمان حرية التعبير، وهي رسالة تعكس رغبة في معالجة الجدل المرتبط بهذا الملف ضمن إطار تشريعي أكثر توازناً.

واقعية الغاز… إدارة للتوقعات لا للوعود

من بين أكثر الملفات التي استحوذت على الاهتمام، جاء حديث الرئيس عن قطاع الغاز والنفط، والذي اتسم بقدر كبير من الواقعية. فقد أكد أن دخول موريتانيا نادي الدول المنتجة للغاز لا يعني تحولاً اقتصادياً فورياً، ولا انخفاضاً مباشراً في أسعار غاز الطهي أو تحسناً سريعاً في مستويات المعيشة.

ويكشف هذا الخطاب عن توجه رسمي لإدارة سقف التوقعات الشعبية، في ظل الآمال الكبيرة المرتبطة باستغلال الموارد الطبيعية، مع التأكيد أن تحقيق العوائد الاقتصادية يتطلب استكمال البنية التحتية، وتعزيز الاستثمارات، والحفاظ على الشراكات الدولية التي تضمن تطوير القطاع مع صون السيادة الوطنية.

الأمن… أولوية تتجاوز الحدود

على الصعيد الإقليمي، أعاد الرئيس التأكيد على أن أمن موريتانيا يرتبط بصورة وثيقة باستقرار منطقة الساحل، وخاصة جمهورية مالي، وهو ما يفسر استمرار السياسة الموريتانية القائمة على الجمع بين الجاهزية الأمنية والانفتاح الدبلوماسي.

وفي هذا الإطار، أكد مواصلة تعزيز أمن الحدود لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، ومكافحة شبكات الهجرة غير النظامية، بالتوازي مع الحفاظ على علاقات حسن الجوار، والاستمرار في الوفاء بالالتزامات الإنسانية تجاه اللاجئين، بما يعكس تمسك نواكشوط بسياسة التوازن التي ميزت دبلوماسيتها خلال السنوات الأخيرة.

التنمية… الرهان الحقيقي للمأمورية الثانية

لم يغب البعد التنموي عن المؤتمر، إذ خصص الرئيس مساحة مهمة لملفات التشغيل، وتمكين الشباب، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الجهوية.

وأكد استمرار الاستثمار في الولايات الأكثر هشاشة، وتعزيز التنمية الزراعية في منطقة الضفة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب تحسين خدمات المياه والكهرباء والتعليم.

كما جدد التأكيد على مواصلة معالجة ملف الإرث الإنساني بروح المصالحة والإنصاف، باعتباره أحد الملفات الوطنية التي تتطلب معالجة هادئة ومستدامة بما يعزز التماسك الاجتماعي.

قراءة في المشهد

تكشف رسائل المؤتمر الصحفي أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يسعى إلى إعادة ترتيب أولويات المأمورية الثانية على قاعدة ثلاثية واضحة: إغلاق الجدل السياسي، وإدارة الاقتصاد بواقعية، والحفاظ على الاستقرار الداخلي والإقليمي.

وبينما حمل الخطاب رسائل طمأنة بشأن احترام الدستور، ورسائل واقعية بشأن الثروات الطبيعية، ورسائل حزم في الملف الأمني، فإن التحدي الأكبر سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

فنجاح المأمورية الثانية لن يُقاس فقط بما حمله المؤتمر من رسائل سياسية، وإنما بمدى قدرة السياسات الحكومية على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي يشعر به المواطن الموريتاني في حياته اليومية.

إعداد: بلال عالي أعمر لعبيد