بين النص الدستوري وضجيج السياسة: لماذا لا تبدو المأمورية الثالثة ضمن خيارات الرئيس غزواني؟

منذ وصوله إلى سدة الحكم، حرص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على تقديم نفسه بوصفه رئيسًا لمشروع إصلاحي يقوم على التهدئة السياسية، وتعزيز دولة المؤسسات، وترسيخ الاستقرار في بلد ظل لعقود أسير التجاذبات والأزمات المتكررة. وفي هذا السياق، يبرز الجدل المتجدد حول ما يسمى بـ”المأمورية الثالثة” باعتباره واحدًا من أكثر المواضيع إثارة للنقاش في الساحة السياسية الوطنية.
غير أن المتابع لمسار الرئيس غزواني وخطابه السياسي يلاحظ أن فكرة الترشح لمأمورية ثالثة لا تبدو منسجمة مع النهج الذي اختاره منذ بداية حكمه. فالرجل أكد في أكثر من مناسبة احترامه للدستور والمؤسسات، كما أن المشروع السياسي الذي يقوده يركز على بناء تقاليد ديمقراطية مستقرة أكثر من تركيزه على صناعة الزعامات الفردية طويلة الأمد.
إن الإصرار على إثارة هذا الملف في كل محطة سياسية لا يخلو من أبعاد سياسية واضحة. فبعض الأطراف المعارضة تجد فيه وسيلة لتعبئة الرأي العام وإثارة المخاوف من المستقبل، بينما تستخدمه أطراف أخرى لصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية المرتبطة بالتنمية والإصلاح الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة.
وهكذا يتحول نقاش افتراضي حول احتمال غير قائم إلى محور يستنزف جزءًا مهما من الجهد السياسي والإعلامي.
وفي الواقع، تواجه موريتانيا تحديات أكبر وأكثر إلحاحًا من الجدل حول مأمورية ثالثة، من بينها مكافحة الفقر، وتطوير البنية التحتية، وتحسين التعليم والصحة، وتعزيز فرص تشغيل للشباب. وهي الملفات التي يبدو أن السلطة الحالية تضعها في صدارة أولوياتها، بينما يؤدي الانشغال المفرط بسيناريوهات سياسية غير مؤكدة إلى تشتيت النقاش الوطني عن هذه القضايا الأساسية.
كما أن نجاح أي تجربة ديمقراطية لا يقاس فقط بتداول السلطة فحسب ، بل أيضًا بقدرة الفاعلين السياسيين على احترام النصوص الدستورية وعدم تحويل كل استحقاق سياسي إلى معركة استباقية حول النوايا والاحتمالات. ومن هذا المنطلق، فإن الحكم على أي رئيس ينبغي أن يكون من خلال حصيلة إنجازاته وسياساته العامة، لا من خلال افتراضات لم تصدر بشأنها مواقف رسمية تدعو إلى القلق.
إن الحديث المستمر عن المأمورية الثالثة في الحالة الموريتانية يبدو أقرب إلى ضجيج سياسي منه إلى نقاش دستوري حقيقي. فطالما ظل الرئيس غزواني متمسكًا بخطاب احترام الدستور والمؤسسات، فإن التركيز على مشاريع الإصلاح والتنمية يبقى أكثر فائدة للبلاد من الانخراط في سجالات تستبق الأحداث وتستهلك الوقت والجهد دون مبرر موضوعي.
وختاما فإن قوة الدول الحديثة لا تكمن في بقاء الأشخاص، وإنما في قوة المؤسسات واستمرارية السياسات الناجحة. وإذا كانت موريتانيا تسعى إلى ترسيخ تجربتها الديمقراطية، فإن احترام المقتضيات الدستورية والانصراف إلى معالجة التحديات التنموية يظلان الطريق الأكثر أمانًا نحو مستقبل أفصل.
د. الحسين جلال الدين