
ليست قضية الشاي الأخضر التي شغلت الرأي العام الموريتاني قبل سنوات بعيدة عن الجدل الحالي حول الوقود الذي اشتكى عدد من المواطنين من تسببه في أعطال لسياراتهم. فرغم اختلاف المادتين، واختلاف طبيعة الضرر بين صحة الإنسان ومحرك السيارة، فإن الخيط الناظم بين الملفين واحد: مواطن متضرر، وسوق واسع الاستهلاك، ورقابة محل سؤال، ونتائج تحقيق لا تصل إلى الرأي العام بالوضوح الكافي.
في ملف الشاي، لم تكن القضية مجرد شائعة عابرة. فقد تحدث خبراء ونشطاء ومنتديات مختصة عن نتائج فحوصات مخبرية أثارت القلق، وطالبت جهات مدنية بتحقيق شفاف في مادة يحتل استهلاكها مكانة يومية في حياة الموريتانيين. يومها أعلنت الوزارة الوصية أنها باشرت إجراءات فحص وتحليل، وتعهدت بإطلاع الرأي العام على النتائج، لكن السؤال ظل معلقًا: أين انتهى التحقيق؟ وما الذي كشفته التحاليل؟ وهل عوقب أحد؟ وهل تغيرت آليات الرقابة على الاستيراد؟
واليوم، يتكرر المشهد في ملف الوقود. مواطنون يشتكون من أعطال، وحديث واسع عن مازوت ملوث أو مخلوط بالماء، ووزارة الطاقة تقول إن الفحوصات الأولية لم تثبت وجود تلوث أو احتيال، مع تأكيد استمرار التحاليل. غير أن نفي التلوث لا يكفي وحده لإغلاق الملف، لأن المواطن الذي تضررت سيارته لا يبحث فقط عن بيان، بل عن تفسير: ما سبب الأعطال؟ من يعاين الضرر؟ من يتحمل كلفة الإصلاح إن ثبت ارتباطه بالوقود؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار الأزمة؟
القاسم المشترك بين القضيتين ليس إثبات التلوث أو نفيه فقط، بل ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات الرقابية. فحين تظهر قضية تمس صحة الناس أو ممتلكاتهم، ثم يختفي التحقيق في مسارات إدارية غامضة، تتسع مساحة الشك، وتتحول البيانات الرسمية من وسيلة طمأنة إلى مادة جديدة للجدل.
المطلوب ليس إدانة مسبقة للتجار أو المحطات أو المستوردين، ولا التشكيك المجاني في المؤسسات، وإنما بناء قاعدة واضحة: كل مادة واسعة الاستهلاك يجب أن تخضع لرقابة منتظمة ومعلنة، وكل أزمة يجب أن تنتهي بتقرير فني منشور، وكل ضرر مثبت يجب أن يقابله تعويض ومحاسبة.
من الشاي إلى الوقود، يتكرر السؤال نفسه: إلى متى يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف؟ وإلى متى تبقى التحقيقات بلا خواتيم واضحة؟ إن حماية المستهلك لا تبدأ عند انفجار الأزمة، بل تبدأ قبل دخول السلعة إلى السوق، وعند المعابر، وفي المختبرات، وفي شفافية الدولة حين تخاطب مواطنيها بالحقيقة الكاملة لا بنصف الطمأنة.




