
الريادة: مجددا، تصر دولة الاحتلال على تحدي القانون الدولي وأن تضرب به عرض الحائط، لتعيد إلى الذاكرة مشاهد قراصنة البحار بهمجميتهم وعدوانهم.
واليوم، تكرر الاعتداء الإسرائيلي على سفن تحمل مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين في غزة، بهدف كسر الحصار الإسرائيلي الخانق المفروض على القطاع.
الأسطول الذي انطلق من سواحل تركيا ويضم عشرات السفن ومئات النشطاء من مختلف الجنسيات، كان يحمل مساعدات إنسانية ويهدف إلى فتح ممر بحري مباشر نحو غزة، لكنه سرعان ما تحول إلى عنوان لجريمة إسرائيلية جديدة في مياه إقليمية ليست لديها أية سيطرة عليها.
الاعتداء على أسطول الصمود
من جهته، كشف إبراهيم مرزوقي المتحدث باسم أسطول الصمود عن تفاصيل اعتداء قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي على سفن «أسطول الصمود» المتجهة إلى غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع.
ومن فرنسا، قال مرزوقي في مداخلة مع قناة «الغد»: إن هناك بعض السفن التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي اقتحمت الأسطول الخاص بهم الذي يتكون من سفن فرنسية.
وأضاف منظم الأسطول نيابة عن فرنسا، أنهم على بعد ألف كيلو متر من فلسطين، مشيرًا إلى أنهم يحاولون مساعدة لبنان وإيران وكذلك فرنسا.
وتابع: «الاحتلال يريد أن نتوقف وألا نقوم بما نقوم به، ونحن نحاول أن نقوم بما نريد وكذلك جميع ما يحدث من محاولات الاقتحام للأسطول الخاصة بنا تتم باستمرار ونحن مستعدون ونحاول الاستعداد لهذه الأمور».
وعن الأوضاع التي دفعتهم للانطلاق بالأسطول، قال: «ما نراه في عدة دول هو أمر سيء للغاية سواء في لبنان أو إيران وغيرها من الدول، وبالتالي فإننا نحاول مساعدة الجميع ببعض الأشياء».
وأكد أنهم يحاولون العمل يوما بعد يوم لمساعدة كل هذه الدول في التخلص مما هي فيه، مشيرًا إلى بوادر حرب عالمية تلوح في الأفق وهناك تحالفات عملية ضد هذا المحتل ونحاول مساعدته وسوف نحاول إيجاد بعض التحالفات وبعض الدول التي يمكن أن تساعدنا وهذا سيحدث في نفس الوقت الذي نسعى فيه لتحقيق هدفنا.
فضح ممارسات الاحتلال
وأوضح أن «الهدف هو فضح هذا الاحتلال وفضح ما يريده وما يريد أن يفعله في لبنان وفي دول أخرى في الشرق الأوسط، ونحن نريد أن نفعل المزيد والمزيد، لا نريد أن نتوقف، بل نريد أن نقوم بالعديد من الأنشطة في جميع أنحاء العالم ليس في هذه المنطقة فقط، وهذا هو ما نأمل أن يحدث اليوم وأن نفعله هذا ما نريد».
وذكر «تعرفون أن النشطاء موجودون الآن على السفن، ونحن نتواصل معهم باستمرار ونعرف كيف تعمل هذه القوات وما نتوقعه منهم وكيفية محاولة اقتحام وتشويش على سفننا ربما نعود إلى الأرض مرة أخرى بأسرع ما نستطيع، وإذا عودنا مرة أخرى لن يستطيعوا أن يقتحموا أو يشوشوا علينا كما حدث سابقا وبعد ذلك سوف نذهب مباشرة إلى مكان آخر ربما قبرص مثلا».
وقال «سوف نذهب إلى هناك ولن يستطيع أحد أن يشوش علينا من وجهة نظرنا، فإننا نحاول التواصل مع السفن الخاصة بنا ومع الأشخاص التابعين لنا في هذه السفن».
وأضاف «سنذهب أيضا إلى بعض المحامين ليساعدونا في هذا الأمر، وسنتحرك ونرى ما سيحدث مع المحامين، ونحن نحاول الضغط على بعض الدول في النحية القانونية ليساعدونا».
وعن الجدوى من أسطول الصمود، قال «هدفنا فضح الممارسات الإسرائيلية وحتى يكون العالم شاهدا على هذه الممارسات، وهم يريدون أن نكون بعيدين كل البعد عن الأراضي الفلسطينية أو الأراضي اللبنانية هم يريدون مننا أن نبتعد عن هذه المنطقة قبل أن نصل إلى غزة على سبيل المثال ولكن هدفنا الرئيسي هذا هو محاولة كسر الحصار».
وأكد «هم أيضا لا يريدون منا أن نتحرك أكثر من ذلك، كذلك في الإعلام مثلا هم يريدون منا أن نتوقف ولا نفعل أي شيء آخر ولكن بالطبع سوف يحاولون إيقافنا من ناحية السفن والمواد والتدعيمات، ويحاولون منع كل ذلك من خلال منعنا من أن نتحدث إلى محامين أو نتحدث إلى الإعلام ولكننا نقوم بما نقوم به ونحاول التواصل مع بعض الحكومات لمساعدتنا».
وشدد على أن «هدفهم الرئيس هو أن إبلاغ أصوات المظلومين وأصوات المدنيين والتحدث نيابة عنهم» متابعا: «نحن نشعر أن هذا النظام مرعوبا من أفعالنا ومرعوبا أيضا مما قد يقوم به المواطنون المدنيون قبل أن يتمادى أكثر من ذلك وقبل أن نقوم نحن أيضا بالتمادي أكثر من ذلك».
ترقب وتأهب
وفي سياق متصل أعلنت الناشطة السياسية جيهان الحاج مبارك، المشاركة في «أسطول الصمود» المتجه إلى قطاع غزة، لقناة الغد، أن القوارب المشاركة تعيش حالة «ترقب وتأهب» في عرض البحر، وسط اقتراب سفن حربية إسرائيلية واحتمال اعتراضها خلال الساعات المقبلة.
وقالت الحاج مبارك، في مقابلة تلفزيونية من على متن قارب «إيدياس»، إن المشاركين تلقوا سترات النجاة ويستعدون لاحتمال الصعود إلى السفينة أو احتجازهم، مشيرة إلى أن الاتصالات والإنترنت «ينقطعان من حين إلى آخر»، ما يصعّب الحصول على معلومات دقيقة بشأن بقية القوارب.
وأضافت أن المشاركين سمعوا عن اعتراض 4 سفن أخرى ضمن الأسطول، دون توفر تفاصيل مؤكدة بسبب ضعف الاتصال، موضحة أن سفينة حربية إسرائيلية تقترب من القارب الذي تستقله، فيما تراقب سفينة أخرى من الخلف.
وأشارت إلى أن المشاركين لا يعرفون طبيعة الإجراءات التي قد تتخذها القوات الإسرائيلية، سواء عبر الصعود المباشر إلى القوارب أو اقتيادها إلى ميناء قريب، قائلة إن «الاستراتيجية هذه المرة لا تزال غير واضحة».
وأكدت الحاج مبارك أن الأسطول يضم أكثر من 50 قاربًا ومتضامنين من أكثر من 40 جنسية، بينهم أوروبيون وكنديون وأتراك وعرب، مضيفة أن الهدف يتمثل في «كسر الحصار» ونقل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة.
وقالت إن القوارب تحمل مواد غذائية وأدوية، في ظل «النقص الحاد» في المستشفيات داخل القطاع، مشيرة إلى وجود طبيبة تشرف على المساعدات الطبية على متن القارب.
وأضافت أن التحرك البحري يتزامن مع قافلة برية موجودة حاليًا في ليبيا، وتحمل «كرافانات» ومساعدات مخصصة لسكان غزة الذين ما زالوا يعيشون في الخيام، بحسب قولها.
ولفتت الحاج مبارك إلى أن المشاركين لم يتلقوا تهديدات مباشرة من الجانب الإسرائيلي حتى الآن، لكنها قالت إنهم سمعوا سابقًا عن نية إسرائيل «تشديد الحصار» والتعامل بصرامة مع المشاركين في المحاولات السابقة لكسر الحصار البحري عن غزة.
وشددت على أن التهديدات «لن تثني» المشاركين عن مواصلة التحرك، مضيفة: «ما نتعرض له لا يساوي شيئًا أمام ما يعيشه الفلسطينيون يوميًا في غزة».
أعمال قرصنة
وأدانت الخارجية التركية التدخل الذي نفذته القوات الإسرائيلية في المياه الدولية ضد أسطول الصمود العالمي، الذي تم تشكيله بهدف إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة، مؤكدة أن هذا يشكل عملا جديدا من أعمال القرصنة.
وذكرت الخارجية التركية أنه يتعين على إسرائيل أن تضع حدا فوريا لهذا التدخل، وأن تفرج دون قيد أو شرط عن المشاركين في الأسطول الذين تم احتجازهم.
ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف مشترك وحازم، دون تأخير، في مواجهة الأعمال الإسرائيلية الخارجة على القانون.
من جهتها، قالت حركة حماس، إن الهجوم الإرهابي الذي نفّذته بحرية جيش الاحتلال الصهيوني ضد سفن «أسطول الصمود» وما رافقه من اعتداء على الناشطين واعتقالهم، يُعدّ جريمة قرصنة مكتملة الأركان.
وأضافت حماس في، بيان اليوم الإثنين، أن حكومة الاحتلال الفاشية تمعن في ارتكاب جريمة قرصنة بحق متضامنين وناشطين يؤدّون واجبهم الإنساني والأخلاقي في نصرة غزة وشعبها المحاصر، الذي يواجه حرب إبادة وتجويعاً وحصاراً متواصلاً أمام سمع وبصر العالم.
ودعت دول العالم كافة، والأمم المتحدة، والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، إلى إدانة هذه الجريمة، ومحاسبة قادة الاحتلال على انتهاكاتهم المتواصلة للقانون الدولي، والعمل الفوري على إطلاق سراح الناشطين المعتقلين، وإنهاء جريمة الحصار الظالم وغير القانوني المفروض على أكثر من مليونَي فلسطيني في قطاع غزة.
مشاهد سابقة
وتعيد المشاهد إلى الأذهان حوادث سابقة لاعتراض أساطيل متجهة إلى غزة، لكنها هذه المرة جاءت في سياق أكثر حساسية، مع تصاعد الأزمة الإنسانية في القطاع.
وآخرها في مطلع الشهر الجاري، عندما اعترضت قوات الاحتلال عشرات الناشطين ممَّن كانوا على متن قوارب أسطول الصمود في جزيرة كريت اليونانية.
وبمرافقة خفر السواحل اليوناني، نُقل نحو 175 ناشطا في أربع حافلات إلى ميناء أثيرينولاكوس الواقع في جنوب شرق الجزيرة، بينما اعتقلت قوات الاحتلال اثنين ونقلتهما إلى إسرائيل للمثول أمام المحكمة.
نشأة الفكرة
ويتكوّن «أسطول الصمود» من عشرات السفن الصغيرة والمتوسطة، ويضم مئات النشطاء والمتضامنين من عشرات الدول، في واحدة من أكبر الحملات البحرية المدنية المنظمة لكسر الحصار عن قطاع غزة، ويحمل مساعدات غذائية وطبية، معدات إغاثية بسيطة، في رسالة رمزية تهدف إلى فتح ممر إنساني.
وترجع جذور فكرة الأساطيل البحرية إلى عام 2008، حين أطلقت «حركة غزة الحرة» قوارب مدنية صغيرة نجحت في الوصول إلى القطاع وكسر الحصار مؤقتًا.
ومع اشتداد الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 2007، تطورت المبادرة إلى تحالف دولي واسع ضم منظمات حقوقية ونشطاء من عشرات الدول.
بلغت ذروة هذا التحرك في أسطول 2010، الذي ضم ست سفن تحمل نحو 750 ناشطًا ومساعدات إنسانية رمزية بهدف كسر الحصار ولفت الانتباه الدولي إلى الوضع الإنساني في غزة.
في المياه الدولية شرق المتوسط، نفذت قوات الكوماندوز البحرية الإسرائيلية عملية إنزال على السفن باستخدام الطائرات المروحية والزوارق السريعة. وأسفر الهجوم عن مقتل 9 ناشطين وإصابة العشرات، وعرفت وقتها بأحداث السفينة مرمرة.
اللافت أن العملية لم تكن مجرد اعتراض بحري، بل مواجهة عنيفة وُصفت من قبل لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة بأنها تضمنت «استخدامًا مفرطًا وغير مبرر للقوة» وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي.
صدمة وغضب واسع
وغطّت الصحف ووكالات الأنباء العالمية الحدث بكثافة، حيث وصفت شبكة CNN ردود الفعل بأنها «سلبية في معظمها»، مع إدانة دولية واسعة النطاق ودعوات لتحقيقات عاجلة.
وفي السنوات اللاحقة، تكررت محاولات الأساطيل، مثل أسطول الصمود العالمي 2025، الذي جرى اعتراضه أيضًا، ما فجّر موجة احتجاجات عالمية من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية.
وقد لعبت وسائل الإعلام الأجنبية دورًا محوريًا في نقل الحدث، إذ تصدرت القضية عناوين CNN وBBC والغارديان، وتحوّلت إلى قضية رأي عام عالمي مع متابعة مباشرة لمشاهد الاقتحام.
انتصار رمزي
على المستوى العملي، فشل الأسطول في الوصول إلى غزة وتحقيق هدفه المباشر، لكن على المستوى الرمزي، حقق تأثيرًا كبيرًا: إذ جذب ملايين المتابعين حول العالم عبر البث المباشر للأحداث .
كما أثار احتجاجات ومظاهرات دولية واسعة، ودفع بعض الحكومات إلى اتخاذ مواقف أكثر انتقادًا لإسرائيل.
ويرى مراقبون أن هذه الأساطيل تحولت إلى «أداة ضغط معنوي»، ساهمت في إعادة تسليط الضوء على الحصار، بل وأجبرت إسرائيل لاحقًا على تخفيف بعض القيود على دخول السلع إلى غزة.
عجز القانون الدولي
أحد أبرز أبعاد القضية هو الجدل القانوني، فبينما تؤكد إسرائيل أن فرض الحصار البحري إجراء مشروع في إطار «الدفاع عن النفس»، اعتبرت تقارير أممية أن الحصار نفسه قد يرقى إلى عقاب جماعي غير قانوني.
كما أثار اعتراض السفن في المياه الدولية تساؤلات قانونية عميقة، إذ تنص اتفاقية قانون البحار على حرية الملاحة في أعالي البحار، وهو ما اعتبره خبراء انتهاكًا واضحًا عندما يتم اعتراض سفن مدنية خارج المياه الإقليمية، وفقا لأسيوشتيد برس.
ففي 2024، طالب خبراء الأمم المتحدة بتأمين ممر آمن لأسطول مساعدات إلى قطاع غزة المحاصر.
وطالب الخبراء إسرائيل بالالتزام بالقانون الدولي، وفقا لبيان صادر من الأمم المتحدة.
وأكد أن الأسطول يمثل تجسيدًا للدعم الدولي لنضال الشعب الفلسطيني المستمر من أجل الحرية وتقرير المصير، والحق المعترف به دوليًا في تلقي المساعدات الإنسانية دون تدخل أو عرقلة.
وشدد البيان على أن الأسطول يتمتع بحق المرور الحر في المياه الدولية، ويجب على إسرائيل عدم التدخل في حرية الملاحة التي يتمتع بها، وهي حق معترف به منذ زمن طويل بموجب القانون الدولي.
ورغم وجود أدلة على انتهاكات جسيمة، لم تُترجم هذه التقارير إلى إجراءات قانونية فعالة، ما دفع كثيرين لوصف الموقف بأنه «فشل للنظام الدولي في حماية النشطاء المدنيين».
ملحمة الضمير
رغم الإخفاقات المتكررة في كسر الحصار فعليًا، تظل أساطيل الصمود رمزًا للصراع بين القوة العسكرية والإرادة المدنية. فهي معارك غير متكافئة، لكنها نجحت في تحقيق ما تعجز عنه الجيوش أحيانًا من إثارة الضمير العالمي.
وبينما تستمر العمليات الإسرائيلية في منع هذه القوافل، فإن تأثيرها الإعلامي والسياسي يؤكد أن «المعركة على الوعي»” قد تكون أعمق من أي حصار بحري—وأن الأسطول، رغم توقفه عند الشواطئ، نجح في الوصول إلى عقول الملايين حول العالم.




