
الريادة: يُمثل الحكم الصادر عن محكمة ولاية نواكشوط الغربية بالسجن النافذ أربع سنوات في حق البرلمانيتين مريم الشيخ جينك وقامو عاشور محطة مفصلية في مسار التعاطي القضائي مع الفعل السياسي والحقوقي في الفضاء الرقمي بموريتانيا.
فالقضية، بما تحمله من أبعاد قانونية ورمزية سياسية، تجاوزت حدود ملف جنائي تقليدي لتفتح نقاشاً عاماً حول الحصانات الدستورية، وحدود حرية التعبير، ودور القضاء في ضبط المجال الرقمي.
في هذه القراءة التحليلية نسلّط الضوء على أبعاد هذا التطور القضائي من خلال زوايا تتقاطع فيها المسألة القانونية مع الرهان السياسي. حيث أعاد الحكم إحياء الجدل المتجدد حول مفهوم الحصانة البرلمانية وحدودها العملية في الواقع الموريتاني المعاصر.
فبينما تمسك فريق الدفاع بكون ملاحقة نائبين خلال دورة انعقاد البرلمان تمثل مساساً بجوهر الحصانة النيابية وضماناتها الدستورية، ذهبت النيابة العامة إلى تبنّي توصيف قانوني مغاير.
وقوام هذا التوصيف هو اعتبار الأفعال موضوع المتابعة واقعة في إطار “التلبس”، وهو التكييف الذي يتيح قانوناً تجاوز الإجراءات المعتادة لرفع الحصانة.
ويؤسس هذا التوجه لمرحلة جديدة في الممارسة السياسية، حيث لم يعد المنصب التمثيلي يوفر غطاءً مطلقاً من المتابعة إذا ما قُدّر أن الفعل – بما في ذلك البث المباشر والنشاط الرقمي اللحظي – يُشكل جريمة قائمة ومستمرة.
وبذلك، يغدو الفضاء الرقمي عنصراً مركزياً في المعادلة الجنائية، لا بصفته وسيلة تعبير فقط، بل باعتباره مسرحاً للفعل القانوني بكل تبعاته.
ولم يقتصر الحكم على العقوبة السالبة للحرية فحسب، بل اتجه إلى فرض تدابير تقنية مشددة، شملت إغلاق الصفحات والمنصات الرقمية المعنية، ومصادرة الهواتف والأدوات المستعملة، وحذف المحتوى محل المتابعة، وهو ما يعكس إرادة قضائية واضحة للتعامل مع العالم الافتراضي باعتباره امتداداً للمجال العام، وخاضعاً لذات منطق الضبط والزجر المعمول به في الواقع الفيزيائي.
إن الحكم في هذا السياق لا يستهدف الشخص فقط، بل يسعى إلى تفكيك حلقة الاتصال بين الفاعل السياسي وجمهوره الرقمي، وفي حين يرى المدافعون عن هذا التوجه أنه إجراء وقائي ضروري لحماية السلم الأهلي وضبط الخطاب العام، يعتبره منتقدوه توسعاً في مفهوم العقوبة يطال جوهر الحق في التعبير والعمل السياسي المنظم.
كما كرس الحكم تطبيقاً صارماً لقانون حماية الرموز الوطنية، وهو نص قانوني أثار منذ صدوره نقاشاً واسعاً حول مآلاته على حرية التعبير؛ فالتحدي الجوهري لا يكمن في مبدأ محاربة خطاب الكراهية أو التحريض فحسب، بل في الخيط الرفيع بين ذلك وبين ضمان حق المعارضة في النقد الحاد والجذري.
وبالنظر إلى انتماء المحكوم عليهما إلى تيار حقوقي وسياسي راديكالي، فإن الحكم سيُقرأ في الأوساط السياسية كرسالة حزم واضحة، مفادها أن أي خطاب يُشتبه في مساسه بالوحدة الوطنية سيُواجه بأقصى درجات الصرامة، بصرف النظر عن الموقع التمثيلي لصاحبه.
من جهة أخرى، يطرح توقيت هذا الحكم وحيثياته علامات استفهام جوهرية حول تأثيره على مسار الحوار الوطني المرتقب؛ فبينما قد تراه السلطة تكريساً لـ “دولة القانون” وفرضاً للهيبة اللازمة قبل الدخول في أي نقاشات موسعة، قد يرى فيه آخرون “رسالة تضييق” تعكر صفو المناخ التوافقي المطلوب، وقد يؤدي ذلك إلى تعميق فجوة الثقة بين النظام والقوى الحقوقية والسياسية المعارضة، مما قد يدفع ببعض الأطراف إلى التصلب في مواقفها أو التشكيك في جدية المناخ التحضيري للحوار.
بيد أن هذا الملف قد يشكل، في المقابل، مادة نقاش حية تدفع باتجاه مراجعة القوانين المثيرة للجدل وتوضيح ثغرات الحصانة البرلمانية، مما قد يحول الأزمة إلى فرصة لإنتاج عقد اجتماعي وسياسي أكثر وضوحاً.
وبذلك، يظل أثر الحكم رهناً بكيفية استثمار الأطراف السياسية لهذه اللحظة: هل ستكون مبرراً للقطيعة، أم منطلقاً لترميم المنظومة القانونية؟
نشير في المحصلة إلى أن هذه القضية وضعت المنظومة الديمقراطية الوطنية أمام اختبار حقيقي، بانتظار ما ستسفر عنه مرحلة الاستئناف من اتجاهات جديدة في التعاطي مع الحريات، والنشاط السياسي، وحدود الفضاء الرقمي في البلاد.
بقلم: بلال عالي أعمر لعبيد




