
قديما، كان الزواج المبكر عادة من عادات الموريتانيين قبل نشأة الدولة،وحتى في تسعينيات القرن الماضي.
وبعد ظهور المنظمات الحقوقية للدفاع عن حقوق المرأة،تقلصت تلك العادة وتراجعت أعدادها بشكل كبير خاصة في المدن بحسب الناشطات في المجال.
(….)فتاة تتحفظ على اسمها، تزوجت وهي في الثانية عشر من عمرها مع ابن عمها دون استشارتها، وأكدت أن تلك التجربة كانت الأفظع في حياتها.
تقول الفتاة:
“خُطِبْتُ لابن عمّي الذي يكبرني بعشرين عاما عند ولادتي مباشرة، وتزوجنا وأنا في الثانية عشر من عمري حين كنت أدرس السنة الأولى من الإعدادية.
بعد الزواج توقفت عن الدراسة وأصبحت سيدة ملازمة لبيتها لا تخرج إلا لقتناء حاجيات المنزل.”
وتضيف الفتاة :
“كنت صغيرة ولم أكن أعرف المسؤوليات التي يفرضها الزواج علي،لذا طلقني ابن عميّ بعد عامين من زواجنا، ربما أدرك أنني لست مؤهلة للزواج أو مازلت صغيرة عليه.”
الفتاة تحضّر الآن لزواجها الثاني، لكن هذه المرة مختلفا عن زواجها الأول، لأن الشريك من اختيارها، ودون تدخل من العائلة، ومع ذالك لا تزال كوابيس زواجها الأول تلاحقها حسب تعبيرها
تقول الفتاة:
“تضررت نفسيا بشكل كبير أثناء زواجي، أحيانا كنت أجلس وأبكي طول الليل، لك أن تتخيل أن زوجي لم يتحدث إلي أبدا قبل الزواج، ولم نتعارف أبدا عن قرب حتى بعد الزواج.
وتضيف الفتاة:
“بعد سنوات من طلاقي أدركت أن زواجي كان كارثة كبيرة، بسببه حُرِمتُ من طفولتي، ومن الدراسة بشكل نهائي، مزال هاجس القلق يسكنني، فقدت الرغبة في كلّ شيئ، كان أفظع شيء عشته في حياتي.”
ماتعرضت له هذه الفتاة ليس الأول من نوعه وليس الأخير، لأن المجتمع ينظر إلى المرأة نظرة دونية، ويرى أنها خلقت للزواج فقط حتى وإن كان رغما عنها بحسب الناشطات في حقوق المرأة كهدى منت السيد، التي تصف زواج الفتاة المبكر بالجريمة.
تقول هدى السيد:
“تأثير الزواج المبكر لم يقتصر على الأضرار النفسية فحسب، بل يحرم الفتاة من الرخاء ومتعة الحياة طوال عمرها.
للأسف أغلب المجتمع لا يبالي بطفولة الفتاة، بل يتخلص منها كعبء أثقل كاهله، وهذا لا يختلف عن نظرة الجاهلية للبنات،فإن كان الجاهلية يدفنون البنت حية، فإن الزواج المبكر لا يختلف عن ذلك.”
وتضيف هدى:
“الفتاة تحرم من دراستها ومن أحلامها بسبب رجل لم تحدثه يوما ويكبرها بأعوام…
أحيانا تصبح أما قبل أن تبلغ العشرين من عمرها ، وهي لا تعي معنى الأمومة.
الزواج المبكر لا يزال منتشرا في الأرياف بسبب عاداتهم وأرجو أن تدخل الحكومة لمنع هذا النوع من الاغتصاب.”
أما الباحثون في الشريعة، فيرون أن الزواج المبكر جائز، مستدلين بذلك بما جاء في الكتاب والسنة.
الفقيه الشيخ الهادي ولد محمد السعيد والباحث في الشريعة لا يرى أي حرج في الزواج المبكر فيقول:
ثبتت مشروعية الزواج المبكر بالقرآن الكريم والسنة
النبوية والإجماع وعمل الصحابة، ثم عمل المسلمين من بعدهم، وتدل عليه مصالح الشريعة: فالدليل من القرآن الكريم: 1- قوله تعالى: وَالْلآئِي يَئَسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتِهِنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَالْلآئِي لِمْ يَحِضْنَ[الطلاق:]. فجعل سبحانه للآئي لم يحضن – وهنَّ الصغيرات – زواجاً وطلاقًا وعدة؛ إذ العدة لا تكون إلا بعد فراق، والفراق لا يكون إلا بعد زواج
“
ويضيف الشيخ الهادي:
وأما الدليل من السنة: فما ذكره المحاضر من زواج النبي “صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها، وهي بنت ست سنين، وبناؤه بها وهي بنت تسع سنين، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة ست، وبنى بي وأنا ابنة تسع”.
القانوي والمحامي محمد ولد مسعود يرى أن زواج المبكر ينقسم إلى نوعين فيقول:
“زواج القاصر في القانون ينقسم إلى نوعين:القاصر المميز والقاصر الغير مميز.
القاصر المميز وهي التي تبلغ من العمر 15عاما،ويمكنها أن تتخذ قرارات بإرادتها، لأن علامات النضوج بدأت تظهر عليها ويمكنها الزواج في هذه الخالة حتى وقبل بلوغ الثامنة عشرة. والغير مميز هي التي تبلغ من العمر 12عاما وهي غير مؤهلة قانونيا لاتخاذ أي قرار، وانطلاقا من هذا أرى أن زواجها لايمكن ولا يجوز قانونيا.”
لا يزال جدل الزواج المبكر قائما بين الموريتانيين وخاصة بين الحقوقيين والمختصين في الشريعة، ومع تراجعه بشكل كبير في المدن، إلا أنه لا يزال منتشرا في القرى النائية، بحسب الناشطات في حقوق المرأة.
تم نشر هذه المادة بدعم من JDH/JHR-صحفيون من أجل حقوق الإنسان والشؤون العالمية في كندا
محمد محمود السيد يوسف




