
تعتبر المواطنة من أكبر التحديات التي تواجهها الدولة الحديثة والمواطنين فيها، فإما بناء مواطن فاعل ومسؤول وواعي لمسؤولياته وحقوقه، وإما الغرق في أشكال مختلفة من التشتت والفساد، والولاءات الضيقة التي باتت تحتل الأولوية أحيانا على حساب المواطنة والانتماء والهوية، فالدولة الحديثة ليست مجرد مؤسسات للحكم ودستور مكتوب، وجيش وقانون، بل مشروع مجتمعي متكامل وظاهرة للتعاون والتفاعل الوثيق بين مواطنين واعين وناشطين، فهم مصدر السلطة، وهنا يشكل الشباب الفئة المقصودة والمعنية والمعول عليها للحفاظ على القيم الاجتماعية للمجتمع والاحساس بهويته والاعتزاز بها والتضحية من أجلها مع الانفتاح في نفس الوقت على الثقافات الأخرى والتفاعل معها في جو من الانسجام والموضوعية، وإعادة التوازن بين ما هو محلي وماهو كوني للتخفيف من غلو قيم العولمة وما صاحبها من تحولات وانهيار للحدود بين الثقافات المحلية والعالمية، وما صاحب ذلك من آثار سلبية أحيانا، فالشباب الموريتاني مثلا مطالب بالمحافظة على الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية بشكل يضمن الانتماء الذاتي والحضاري للمواطن دون تصادم مع الأفكار الرائجة في محيطه.
لقد ساعد الإستخدام الواسع لشبكات الإجتماعية على بروز ظاهرة التزواج بين تكنولوجيا الإتصال الحديثة وتطبيقات شبكة الإنترنت ما اصبح يعرف الان بمواقع التواصل الاجتماعي التي أضافت بعدا وطنيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا للتكنولوجيا الحديثة مما خلق مجتمعات افتراضية وطنيه غير تلك النظره المتعارف عليها لدي علماء الإجتماع وهي ناتج التعقد التقني الذي تشهده المجتمعات الحالية بفعل التطور التكنولوجي، فمواقع التواصل الاجتماعي اعادت صياغة علاقة المحلي بالكوني وعلاقة الإنسان بالوطن وعلاقة التكنولوجيا بالأفكار وهذا وفق مايسمية الفيلسوف الفرنسي “ريجيس دوبريه” بالتداخل بين عالمين يبدوان متناقضين في العلوم الإنسانية، عالم التنظيمات التي لها مظهر مادي ملموس ومحسوس مثل: الاسره والعائله والقبيلة والمدرسة والمؤسسة والوطن،وبين العالم الغير مادي ذي الصبغة المعنوية الغير محسوسة مثل: وسائل إلاعلام الحديثة وشبكة الانترنت ومواقع التواصل بشكل خاص.
لقد اكد الإستخدام الواسع اللشبكات الاجتماعية وكذلك الدور الكبير الذي لعبته في تحريك الشباب نحو التعبير عن الرأي والانتقاد للأنظمة الحاكمة، بل وأثارت ثورات الربيع العربي في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والجزائر والسودان وبذلك أصبح هذا الفضاء الإلكتروني فضاء عاماً للتغيير وأداة من ادوات التحريض والتعبئة الجماهرية وترسيخ الوطنيه.تعد المواطنة من القضايا القديمة المتجددة التي ما تلبث أن تفرض نفسها عندمعالجة أي بعد من أبعاد التنمية بالمفهوم الإنساني الشامل بصفة خاصة ومشاريع الإصلاح والتطوير بصفة عامة، وفي هذا السياق احتلت هذه القضية مساحة كبيرة في الدراسات السياسيةوالاجتماعية والتربوية، وتعددت أبعاد المواطنة في علاقاتها الممتدة عبر قضايا تتمحور في علاقة الفرد بالمجتمع والدولة من خلال أطر قانونيةمنظمة للحقوق والواجبات، ومبينة مواصفات المواطن وأبعاد المواطنة حسب المنابع الفكرية للدولة ومرجعية نظرياتها السياسية، ومع تغير طبيعة العالم المعاصر من حيث موازين القوى ، وسيطرة القطب الواحد،وظهور التكتلات السياسية والاقتصادية وتنامي البنى الاجتماعية الحاضنة للفكر الليبرالي وعبوره للحدود الجغرافيةوالسياسية على الجسور التي مدتها تكنولوجيا الاتصال، والتركيز على خيارات الفرد المطلقة كمرجع للخيارات الحياتية والسياسيةاليومية في دوائر العمل والمجتمع المدني والمجال العام، مع هذه التغيرات العامة بالإضافة إلى التغيرات الخاصة التي تحيط بموريتانيا والعرب والمسلمين شهد مفهوم المواطنة تبدلاً واضحاً في مضمونه واستخداماته ودلالاته والوعي الفردي بمبادئه وما يرتبط به من قيم وسلوكيات، وتسلط الضوء على قضايا مجتمعية تمس جوهر هذا المفهوم لدى الفرد الموريتاني، وتعرض إطاراً مفاهيمياً مغلفاً بشعارات تأخذ بالمشاعر وتؤثر على مسار تفكير العقول خاصة لدى فئة الشباب ومن هم في سن القابله اللاحتواءأو الاختطاف الفكري والثقافي بحكم خصائص المرحلة العٌمرية التي يعيشونها، ويثير ذلك جدلاً في الأوساط السياسية والدينية والتربوية حول مدى تأثر مفهوم المواطنة لدى الشباب.
ولما سبق ذكره،فإن الاعلام البديل بشبكاته الاجتماعية ومحتوياته الحرة الغير خاضعة لتأطير المؤسسي المضبوط هو بصدد إعادة بعث الفضاء العام حيث ينشي سياقا سياسي يشعر الفرد بمسؤوليته التاريخية تجاه بلده، وهذه السياقات التكنولوجية التى تتيح للفرد فرصة التعبير فكريا يتيح للفاعلين في تلك الشبكات فرصة التعاطي العقلاني مع القضايا الوطنيه والخروج من عقبات التعبير الغوغائي(غياب العقل وتسود الانفعالات والعاطفة) .فهي نموذج جديد لشرح أليات تأثير وسائل الاعلام في تكوين الجمهور والرأي العام، خلال الظروف الإستثنائية التي تعيشها المجتمعات (حديثة الاستقلال) في لحظة من تاريخها، وكذلك الممارسات الديمقراطية المثلي وتقريب المجتمعات من السلطة من خلال إعلام المواطن.وفي ظل هذه الظروف المتردية السائدة على مستوى العالم والمنطقة العربية وموريتانيا خصوصا والتراجع الحاصل على الصعيد الذاتي العام، نحن بحاجة إلى مراجعة ذاتية وموضوعية لكل المتغيرات التي تحدث، من خلال تجسيد الانتماء الوطني بكل قيمه المقدسة، علنا نوقف حالة التدمير التي تحدث على الصعيد الذاتي والعام، خاصة لدى فئة الشباب، محاولين العودة للقيم الاجتماعية السليمة وتعزيز حب الوطن، والتضحية، والاستعداد للعطاء والمقاومة من خلال سلوك واع ومنسجم مع الأخلاق والقيم الوطنية لمجتمعنا الموريتاني.
د.محمدعالي الهاشمي




