
من مهنة التعليم، هذه المهنة التي اخترتها محبة لها، ودخلتها منذ عشر سنوات بكامل إرادتي، لكني اصطدمت بواقعها المرير.
حيث تبتعد عن أهلك وأصدقائك قاصدا مكانا لم تره من قبل، فتصبر على المر والهوان في منطقة أهلها لا يبالون بالتعليم، والجهات المعنية لا تبالي بك ولا بهم، والمجتمع يحملك ذنب غيرك.
ولا أحد يدري أنك تستيقظ فجرا لتتجهز لعملك، ثم تقطع مسافة تقارب الساعة على رجليك ذهابا ومثلها إيابا.
فتصل للمدرسة منهك القوى، ثم تقضي ست ساعات بين غبار الطباشير السام الذي يؤثر على الصحة، وسبورة متقعرة لا تكاد تميز عليها النقاط من الحروف، وأرضية متهالكة مليئة بالحفر تكاد رجلك تنكسر وأنت تتجول بين الصفوف.
هذا إضافة إلى تلاميذ غير مبالين بما تقدم لهم، لأنهم لا يملكون أي وسيلة تساعدهم على استيعاب الدروس، فلا توجد كتب في المدرسة ولا عند التلاميذ، إما أن تقدم الدروس من ذاكرتك أو من الانترنت أو تشتري الكتب من جيبك الخاص، ولا توجد وسائل للإيضاح، والأجواء والظروف بصفة عامة غير ملائمة للتدريس.
وعندما تعود للمنزل لا يكاد جسمك يلامس الفراش حتى تبدأ بتحضير دروس الغد وتصحيح الدفاتر.
فيأتي عليك الليل وأنت منشغل البال بما ينتظرك في الغد من نفس المسلسل، ومع هذا كله لا تحصد إلا التعب والازدراء والاحتقار.
ما فائدة مهنة لا يقدر أحد تعبك فيها؟
ما فائدة مهنة تحمل فيها ذنوب غيرك؟
ما فائدة مهنة لا تحصد فيها ثمار مجهودك؟
ما فائدة مهنة لا تعيش فيها بكرامة؟
ما فائدة مهنة تهضم فيها حقوقك،و إن طالبت بها تهدد بقطع راتب زهيد ربما تحصل على أضعافه لو جلست على أرصفة الشوارع متسولا؟
من الأفضل أن أعود لأهلي، وأربي أبنائي الذين ابتعدت عنهم رغبة مني في خدمة وطن لم أجد فيه إلا الظلم والتنكيل والتهميش والاحتقار.




