ملامح التعاون الصهيوني الإيراني ضد عراق صدام / باباه ولد التراد

الأستاذ باباه ولد التراد كاتب موريتاني

 يرى الخميني أن التعامل والتعاون مع أعداء الإسلام واجب إذا كان في ذلك مصلحة لمذهبه ، واستشهد في هذا المجال ببطولات الوزيرين ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي ! اللذين تعاونا مع “هولاكو” من أجل احتلال بغداد وتدميرها سنة 1258م .
لذلك أوضحت الدراسة التي أعدها مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية حول تاريخ العلاقات “الإيرانية– الإسرائيلية”  أن التعاون بين العدوين اللدودين للعرب ظل قائما بعد قيام ثورة الملالي في العديد من المجالات ، أهمها التسلح ، وهذا ما أكده الكاتب الأمريكي بارسي في كتابه ” التحالف الغادر” بين الكيان الصهيوني وإيران .
غير أن هذا التعاون الخبيث ضد العراق قد بدأ بالفعل بعد ثورة 17 ـ 30 /تموز 1968 عندما أقام العدو الصهيوني  جسر اتصلات مع بعض القيادات الكردية في شمال العراق وقدم لهم الأسلحة ، وظل يتعاون في ذلك مع شاه إيران، وذلك حسب مذكرات وزير خارجية “الكيان الصهيوني” “ديفد كيمحي” التي نشرها 1991 تحت عنوان “الخيار الأخير” ، ذلك أن المخاوف  الصهيونية قد ازدادت بعد أن تمكن حزب البعث العربي الإشتراكي سنة 1968من الوصول للسلطة في العراق ، لأن هذا البلد الذي شارك في معظم الحروب العربية ضد العدو الصهيوني ولم يعقد معه أي اتفاقية هدنة يمتلك الأسباب القوية لتحويله إلى قوة إقليمية خطيرة ، إذا كان يقود مسيرته صدام حسين ، إضافة إلى ذلك فإن وضع العراق الجغرافي القريب نسبيا من فلسطين المحتلة يمكنه من أن يلعب دورا أساسيا في النزاع العربي الصهيوني .
وقد عزز هذا أن اليهود ظلوا على الدوام ينظرون إلى العراق نظرة الحاقد التاريخي الذى يريد بعد مضي أزيد من 25 قرنا أن يأخذوا بثأرهم من الهجمات التي شنها العراق القديم بقيادة نبوخذ نصر الذي تمكن سنة 538 ق م من تدمير الهيكل اليهودي وأسر اليهود وجلبهم إلى “بابل” .
لذك فكر مؤسس الحركة الصهيونية ” تيودورهيرتزل”سنة 1903 بإيجارمستعمرات يهودية في العراق من خلال اتصالاته برجلات الدولة العثمانية .
وبعد احتلال القوات الصهيونية مدينة القدس في 06 /يونيو/ 1967 قال “موشى ديان” وزير الدفاع “الإسرائيلي ” آنذاك (لقد استولينا على أورشليم ونحن في طريقنا إلى بابل) .
و قد جلب هذا البعد الحضاري المتجدد على العراق عداء واعتداء العديد من الأطراف وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني ، الذي حاول بكل ما أوتي من قوة أن يقف في وجه بناء قوة العراق العسكرية ، حيث قدم كافة أنواع الدعم والمساندة لجميع القوى التي تعادي العراق وتسعى للقضاء على نظامه البعثي بقيادة الشهيد صدام حسين .
ومع ذلك فإن الجيش العراقي البطل الذي أشرف عليه القائد الشهيد صدام حسين شخصيا لم تثنه تلك الألاعيب الصهيونية القذرة عن دوره القومي ، لذلك فقد أنقذ هذا الجيش عاصمة الخلافة الأموية دمشق من السقوط بيد الكيان الصهيوني  في حرب أكتوبر1973 ، ودكت صواريخه بعد ذلك أوكار العدو الصهيوني خلال حرب الخليج الثانية ، وبذلك يكون العراق بقيادة الشهيد صدام حسين أول قطر عربي يضرب العدو الصهيوني  بالصواريخ ، مع أن ما قدمه صدام حسين للقضية الفلسطينية ، والقضايا العربية عموما لايمكن حصره ، وكان العدو الصهيوني  يعي هذا الجانب من اهتمامات الشهيد صدام حسين أكثر من غيره ويتخوف منه إلى حد الهلع .
وهذا يعني أن القوة العسكرية التي بناها صدام حسين للعراق قد أرقت  العدو الصهيوني ، وتم اعتبارها إخلالا بالتوازنات الإستراتيجية ، ولهذا أصبح القضاء على صدام حسين والتخلص من حزب البعث من أهم أولويات الكيان الصهيوني   والمتعاونين معه في المنطقة ، كما يقول سعد البزاز في كتابه  “حرب تلد أخرى التاريخ السري لحرب الخليج” .
لذلك قدم العدو الصهيوني  لإيران خلال الحرب العراقية الإيرانية الكثيرمن الدعم  ، فقد اتضح أن حجم مبيعات سلاح  الكيان الصهيوني لإيران وصل إلي عدة بلايين من الدلارات ، عندما انكشفت فضيحة “إيران غيت” سنة1986 .
وقد كانت المعلومات عن هذا الجانب شحيحة قبل أن ينشرها الكولونيل “أوليفرنورث “مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض والمسؤول الأول في ترتيب التعاون العسكري بين العدو الصهيوني  وإيران في مذكراته الصادرة سنة 1991 بعنوان “تحت النار”.
وفي بداية الثمانينات قامت مخابرات الكيان الصهيوني بقتل عالم الذرة المصري “يحي المشد” الذي كان يعمل لحساب العراق ، كما نسفت توربينات المفاعل النووي الذي كان العراق يبنيه وذلك قبل شحنها من ميناء مرسيليا بيوم واحد ، ثم قامت بضرب المفاعل النووي العراقي نفسه سنة 1981 .
بعد ذلك اغتالت المخابرات  الصهيونية العالم الكندي “جيرالد بول” الذي قدم للعراق تصميمات مدفع عملاق أشرف بنفسه على تصنيع أجزاء منه.
ومع أن المحاولات التي قام بها الكيان الصهيوني  كان هدفها الأول أن لايخرج العراق بقيادة صدام حسين منتصرا في حربه مع إيران ، فقد أعلن ” الخميني” في يوم 18/ 07/1988 أنه يأمر القوات الإيرانية بوقف إطلاق النار، (شاعرا أنه يتجرع كأسا من السم ).
وقد تابع العدو الصهيوني  جميع هذه المراحل ، واهتم بأبعاد النصر العراقي ، فقد أعلن “أهود باراك” في 30 مارس 1990 (أن إسرائيل لابد أن تكون جاهزة لضربة وقائية ضد العراق في أي وقت تشعر فيه أن قوته خطرا عليها ).
وهذا ماعبر عنه بشكل واضح التقريرالعسكري الأمريكي الذي تم نشره في شهر ابريل 1990 وجاء فيه بالحرف “إن إلإسرائيليين قد اهتموا لأبعد حد بالنصرالعراقي الذي لم يكونوا يتوقعونه ، مضافا إلي ذلك نجاح بغداد في تطوير صواريخ بعيدة المدى يلاشلي إلي حد ما الميزة الإسرائيلية في هذا النوع من الأسلحة ، وليس هناك مجال للشك أن تل أبيب تحاول الإحتفاظ بالتفوق على العراق … وأن هجوما مفاجئا تشنه إسرائيل على العراق سوف يكون مغامرة محفوفة بالخطر ، قد يؤدي إلى إشعال نار حرب واسعة تؤثر على مصالح الولايات المتحدة “.
وإذا كانت آمريكا قد أقنعت  العدو الصهيوني  بالتخلي عن ضرب العراق واعتبرت ذلك مغامرة تؤثرعلى مصالحها ، فإن هذا الكيان الذي تم غرسه في قلب الأمة العربية  استطاع عن طريق اللوبي الصهيوني، ومغريات أفكار”صموئيل هنتنغتون” حول صراع الحضارات ، ومشروعي “الشرق الأوسط الكبير” و “القرن الآمريكي الجديد” أن يقنع الولايات المتحدة بشن حروب متواصلة على عراق القائد صدام حسين نيابة عنه، لأن ذلك يجعل من الكيان الصهيوني  حجر الزاوية ،
ويلعب دور كلب الحراسة في المنطقة ويتحقق من خلاله إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط التي بشر بها المستشرق الآمريكي اليهودي “برنارد لويس” ،  حيث توجد منابع النفط والكيان الصهيوني  .