
بمناسبة انعقاد النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، في العاصمة نواكشوط يوم 29 أكتوبر 2026، فإنني أرى من المناسب إعادة تحيين هذا المقال، الذي تم نشره لأول مرة في 2 يناير 2015، لكي تتم العناية بهذا الشأن، ويتضح لنا كذلك، من خلال هذا النص، ما إذا كان لمعالجاته تأثير إيجابي على أوضاع جالياتنا في إفريقيا.
«كانت موريتانيا ولا تزال ملتقى للحضارات، ومثابة لتلاقح الثقافات، وأبناؤها سفراء فوق العادة، شرقًا في العديد من الأقطار العربية، وجنوبًا في عمق الأدغال الإفريقية. ينتقلون من أرض إلى أرض، ومن بلد إلى بلد، تفحص بصيرتهم الناقدة الناس والحياة، في مغامرة زكية نبيلة تسعى إلى تفوق عظيم، تنهض به إرادة غلابة، تقهر المصاعب، وتجعل المستحيل ذلولًا. لسان حالهم ينشد لامرئ القيس:
(فلو أنما أسعى لأدنى معيشةٍ
كفاني ولم أطلب قليلًا من المالِ
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي)
وقوله:
(بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبكِ عينك إنما
نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا).
وبما أن فرص العمل في موريتانيا كانت ضيقة، وأبواب الوطن مغلقة أمام الشباب وطموحاتهم، فلم يخرج الموريتانيون إلى المجهول بكل أعبائه ومشاقه اختيارًا ولا بطرًا، ولم يتمردوا على نعمة وارفة كانوا يعيشون فيها، ولكن عصف الجفاف بقوت البلاد، فنزحت أعداد من البدو نحو مدن ناشئة لم توفر أبسط مقومات العيش الكريم، مما حدا بالشاعر الكبير أحمدو ولد عبد القادر إلى كتابة قصيدة «كواليس التصحر»:
(مرت بقربي حمائم ثكلى
وردن الغدير وسرن عطاشًا جنوبًا جنوبًا…)
وقصيدة «السفين»:
(رحلنا رحلنا كما كان آباؤنا يرحلون…).
وعلى إثر اكتشاف اليورانيوم والمنغنيز في دول وسط إفريقيا، توجهت نخبة من الموريتانيين إلى هذه البلاد التي شهدت حركة ازدهار وانتعاش في عجلتها الاقتصادية. بعد ذلك، بدأت هذه الدول تشكل وجهة لشبابنا الذين اختاروا العمل في الميدان التجاري، وسلكوا نهج الرعيل الأول من التجار الموريتانيين في تلك المنطقة، عندما كانوا شجرة عربية أصيلة في الغابة الإفريقية، تؤتي أكلها إيمانًا ونماءً وعطاءً وأصالةً ومعاصرةً.
يقول الخليل النحوي في كتابه «بلاد شنقيط المنارة والرباط»:
(والحق أن التجار والدعاة الشناقطة، أولئك الجنود المجهولين الذين لم ينضووا تحت لواء دولة ذات منعة، ولم يسيرهم سلطان، ولم ينتظموا في جيش أو خلف قائد بعينه، هم الذين واصلوا حركة الفتح في إفريقيا، واستطاعوا زرافات ووحدانًا أن ينشروا الإسلام في مناطق واسعة من القارة، وليس لهم من العدة والسلاح إلا الحكمة والموعظة والأسوة الحسنة، وقد كابدوا في ذلك من المشاق القدر الكبير).
وفضلًا عن ذلك، لعب التجار الموريتانيون في إفريقيا دورًا كبيرًا في التعريف بالبلاد وعاداتها وتقاليدها، ومثلوها أحسن تمثيل بأخلاقهم الحميدة وسلوكهم المتمدن، وإصرارهم العظيم على تحقيق الأهداف التي سافروا من أجلها، فكانوا «كسابين وهابين».
لذلك، يحق لبلادنا أن تفخر بأفراد جالياتها في إفريقيا، الذين ساهموا في بناء الاقتصاد الموريتاني من خلال ما جلبوه من عملات أجنبية تسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية، وعائدات وتحويلات تخلق العديد من فرص العمل للشباب، فضلًا عما قدموه في ميادين العمل الخيري، أو المساعدات الاجتماعية، أو العون والإيثار الإنساني، علاوة على المساهمة في النهضة العمرانية في العاصمة وبعض المدن الموريتانية الأخرى.
وفي الوقت نفسه، كانوا يعيلون آلاف الأسر الكبيرة المؤلفة من الأصول والفروع والأطراف، ومعلوم أنه لو كانت هذه الأسر الموريتانية بلا معيل لحصلت كارثة في الدولة. ومع ذلك، لم نسمع أن لهذه الجاليات عقارات أو نوادي أو مصانع خارج البلد، وهو ما يعني قوة ارتباط أفراد هذه الجاليات بوطنهم فحسب.
لقد لفت انتباهي إلى هذا الموضوع أن السلطات الأنغولية قامت مؤخرًا باعتقالات واسعة في صفوف الموريتانيين وابتزازهم، وقبل ذلك تم تسفير الكثير منهم. ولم تكن هذه أول مرة يحدث فيها هذا النوع من المضايقات، لا لهذه الجالية فحسب، وإنما جرى ذلك للعديد من جالياتنا في إفريقيا، التي لم تجد في أغلب الأحيان نصيرًا من طرف الدولة الموريتانية إلا «بعد أن يسبق السيف العذل»، لأن الدولة لم يكن لها في كثير من هذه الدول سفارات أو قنصليات رسمية تسعى إلى تقوية العلاقات مع هذه البلدان من أجل العناية بشؤون التجار الموريتانيين، الذين هم في أمس الحاجة إلى الوقوف معهم في جميع قضاياهم، بما في ذلك مسألة الإحصاء والأوراق الضرورية الأخرى.
ومن المفارقات أن موريتانيا، التي لديها سفارات في العديد من الدول التي لا توجد فيها جاليات موريتانية، لا ترى ضرورة، حتى الآن، لأن تكون لها سفارة أو قنصلية رسمية في دولة مثل الغابون، التي وصلها التجار الموريتانيون في ستينيات القرن الماضي، ويوجد بها في الوقت الراهن آلاف التجار النشطين من بلادنا.
وفضلًا عما سبق، تنظر الجاليات الموريتانية في إفريقيا إلى حكوماتها المتعاقبة نظرة عتاب واستغراب؛ لأنها تشاهد يوميًا ما تقدمه بعض السفارات في تلك البلاد من خدمات جليلة لمواطنيها، مع ما تلاحظه من حرص بعض الدول على رعاياها، مثل قصة مشروع «الأحواض الناضبة» الشهيرة بين موريتانيا والسنغال، التي قبلت فيها هذه الأخيرة التراجع عن مشروعها الاستراتيجي الكبير، بعد أن هددتها موريتانيا بطرد العمال السنغاليين في حالة عدم توقف هذا المشروع، الذي كان من شأنه أن ينهض بمجالي الري والزراعة في السنغال. ورغم ذلك، انحازت هذه الدولة إلى عمالها داخل موريتانيا، وسحبت الآليات والمهندسين الذين حضروا لتنفيذ هذا المشروع».




