
في مختلف دول العالم وبمجرد صدور قانون المالية من مجلس الوزراء تبدا النقاشات المجتمعية لهذا القانون وتتم مواكبة جميع مراحل نقاشاته وهي نقاشات للأسف تكاد تغيب عن المشهد الإعلامي والسياسي في بلادنا وغالبا ما يكتفي إعلامنا بإعداد قصاصات اخبارية باهته لا ترقى إلى تحليل الخيارات الكبرى للقانون ولا مساءلة منطق الأولويات فيه فيما لا تكلف القطاعات العمومية المكلفة بإعداد هذا القانون نفسها اعطاء بعض الوقت لشرح مضامينه .
فقانون الماليه في كل الدول هي الوثيقة الأكثر تعبيرا عن إرادة وتوجهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة واحدى الأدوات الأساسية لتنفيذ السياسات العمومية ويجب ان تخرج من صيغتها المحاسبية الجافة التي تعمل أساسا بمنطق الأرقام والمؤشرات إلى منطق قياس اثرها الفعلي على حياة المواطنين.
فنقاش الميزانية الذي يفترض أن يكون عموميا واسعا، وأن يمتد خارج مبنى البرلمان، ظل حبيس مجال مغلق بين الحكومة والبرلمان، وكأن الأمر لا يعني المواطنين بشكل مباشر، بل يعني الحكومة والنواب فقط ، كما أن وسائل الإعلام الوطنية عمومية كانت ام خاصة والتي يُفترض أن تخلق صدى ونقاشا عاما حول رهانات السنة المالية وأن تفتح قنواتها وإذاعتها ومواقعها لاحتضان هذا النقاش وتبسيطه وتفسيره وفسح المجال للخبراء الاقتصاديين من أجل تحليله وإظهار مكامن قوته وضعفه وتأثيرات بنوده وإجراءاته على الحياة العامة.
فالقطاع المكلف بإعداد الميزانية يقدم الأرقام والمؤشرات الميزانوية تُقَدَّم وكأنها مكتفية بذاتها ولا تحتاج إلى شرح اوتبسيط، ولا إلى ربطها بأثرها الاجتماعي أو الاقتصادي في الحياة اليومية للمواطنين.
غير ان اكبر معوق امام النقاش العمومي للميزانية العامة للدولة هو عدم إتاحة هذه الوثيقة حتى الآن للرأي العام الوطني وحتى البرلمان فعادة ما تودع لدى البرلمان في آخر اجل قانون اي يوم الاثنين الاول من شهر نوفمبر فيما تبدا نقاشاته في الايام الموالية دون إتاحة الفرصة للنواب اوالجمهور للاطلاع على الفرضيات المكرو اقتصادية التي استندت اليها هذه الوثيقة اضافة إلى الوقوف على ماتحمله من اجراءات اجتماعية تتعلق بتحسين القدرة الشرائية للمواطن في وجه موجات التضخم التى تلتهم قدرته الشرائية .
وماهو اثر الاستثمارات العمومية من حيث خلق الثروة وزيادة الناتج المحلي وكم وفرت من مناصب شغل ؟
وماهو حجم المداخيل الضريبية في الميزانية العامة ؟وما تفصيل حجم مساهمة كل نوع منها ؟
ومامستوى تناقم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والنقدية مع التوجهات العامة للميزانية ؟
ولماذا رغم تضاعف حجم الميزانية العامة للدولة بثلاثة أضعاف منذ 2019 لم يشهد الناتج المحلي الحقيقي نفس التطور؟
وفي ظل الحديث المتكرر عن الفائض في المزانية العامة الحالية
فهل استوفت الدولة كل التزاماتها الاستثمارية والتعاقدية وكذالك خدمة الدين ؟
وهل تم تنفيذ كل الاستثمارات العمومية المبرمجة في السنة الحالية ام ان التعثر مازال يعيق تنفيذ اهم بنود الميزانية الذي يعول عليه في تحريك عجلة النمو وخلق فرص العمل ؟
فالمتتبع لتنفيذ الميزانية العامة على موقع الخزينة العامة للدولة لحد اليوم يلاحظ ان نسبة تنفيذ الميزانية العامة للسنه الحالية لم يتجاوز 55.41%
وهو ما يطرح العديد من الاسئلة عن قدرة القطاعات الحكومية والقطاع الخاص على تنفيذ البرامج الاستثمارية التي يعلق عليها المواطن امال كبير في تحسين مستوى الخدمات الأساسية التي رصدت لها الموارد لتنفيذيها لا ان تظل مكدسة في الخزينة العامة للدولة .
النائب:سيد احمد محمد الحسن




