
الريادة: خلصت لجنة التحقيق المستقلة في حرائق محطتي التحويل الكهربائيتين بنواكشوط الشمالية والغربية إلى وجود صلة مباشرة بين الحريقين والوصلات الكهربائية الجديدة بجهد 33 كيلوفولت التي دخلت الخدمة في المحطتين قبل أيام من اندلاعهما، مع ترجيح وجود خلل في أحد مكونات الكابل أو ملحقاته، دون التوصل إلى تحديد قاطع للآلية الفنية التي أشعلت الشرارة الأولى.
وأوضحت اللجنة، في ملخص تقريرها المؤرخ في 6 أكتوبر 2026، أن الحريق الأول اندلع بالمحطة الشرقية يوم 21 أغسطس، بعد ستة أيام من دخول الوصلة الجديدة الخدمة، بينما وقع الحريق الثاني بالمحطة الشمالية يوم 22 أغسطس، بعد يومين من تشغيل الوصلة المرتبطة بها.
وحددت التحقيقات نقطة بداية الحريقين على مستوى خلايا 33 كيلوفولت المستخدمة للوصلات الجديدة، لكنها لم تتمكن، رغم الاختبارات الفنية التي أجريت، من تحديد موضع العطل الكهربائي الأول بشكل يقيني، وما إذا كان قد وقع في الكابل نفسه أو أطرافه أو علب الوصل.
ورجحت الخبرات الفنية أن يكون خلل موضعي في أحد مكونات الكابل أو أطرافه قد أدى إلى ارتفاع تدريجي في درجة الحرارة، أعقبه تشكل قوس كهربائي، مع ترجيح سيناريو يتعلق بسخونة عند نقطة التماس بين الشاشة المعدنية للكابل وموصل التأريض، دون استبعاد فرضيات فنية أخرى.
وأكد التقرير في المقابل عدم وجود أي عنصر يثبت أن الحريقين نتجا عن فعل متعمد أو خطأ في التشغيل.
وسجلت اللجنة أوجه قصور قالت إنها ساهمت في انتشار الحريقين وتفاقم آثارهما، من بينها التأخر أو القصور في عزل العطل الكهربائي المحتمل، وعدم وجود مصادقة رسمية على حسن اشتغال سلسلة الحماية الكهربائية، إلى جانب غياب أعوان الشركة الوطنية للكهرباء في عين المكان للتدخل الفوري.
كما رصد التقرير انعدام الحواجز التي تمنع انتقال النيران بين مجموعات الخلايا، ووجود مواد قابلة للاشتعال داخل الخلايا وقنوات الكابلات، فضلاً عن عدم كفاية أنظمة الكشف عن الحرائق ووسائل الإطفاء.
وأشار إلى بطء نسبي في منظومة الاستجابة للطوارئ، شمل الفترة الفاصلة بين رصد الحريق وإطلاق الإنذار ووصول عناصر الحماية المدنية إلى المواقع المتضررة، مع صعوبة الولوج إلى الأماكن التي طالتها النيران.
وتسببت الحرائق في اضطرابات كهربائية تراوحت بين ثلاثة وخمسة أيام بحسب الأحياء، وأثرت على الأسر والأنشطة الاقتصادية في نواكشوط، فيما قدرت اللجنة الخسائر الاقتصادية الناجمة عنها بنحو 0.07% من الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث من عام 2026.
كما تجاوزت التكاليف المباشرة للحادثين 220 مليون أوقية جديدة، بينما قدرت الشركة الوطنية للكهرباء تكلفة إعادة تأهيل المحطتين المتضررتين بنحو 143.9 مليون أوقية جديدة.
وركزت اللجنة في جانب من توصياتها على صفقة الوصلات الجديدة التي تنفذها شركة ستم للبناء (CTM Bâtiments)، والبالغة قيمتها 124 مليون أوقية جديدة، والتي تدخل ضمن مشروع يضم ثلاث وصلات بجهد 33 كيلوفولت بين محطات التحويل الرئيسية، فيما تتولى شركة IRAF مهمة المهندس الاستشاري لمتابعة تنفيذ عدد من الصفقات.
وأوصت اللجنة الشركة الوطنية للكهرباء بتعليق أي دفع أو استلام في إطار صفقة الوصلات الجديدة المسندة إلى شركة ستم للبناء، والشروع، بعد استكمال الإجراءات القانونية وتوجيه الإنذار، في الإجراءات اللازمة لفسخ الصفقة، مع ضمان استكمال المشروع.
كما أوصت بإحالة ملف إسناد الصفقة إلى سلطة تنظيم الصفقات العمومية لفحص شروط تأهيل الشركة، خاصة في ضوء الطعن الرسمي المقدم من الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «اسنيم» بشأن صحة شهادة حسن تنفيذ قدمت ضمن ملف الصفقة.
ودعت اللجنة إلى إحالة العناصر والوثائق المتعلقة بهذه الشهادة إلى السلطات القضائية المختصة لتقييم ما قد يترتب عليها من آثار أو متابعات جزائية وفق القانون.
وفي ما يتعلق بالمكتب الاستشاري IRAF، سجل التقرير قصوراً في الفريق المكلف بمتابعة بعض المشاريع، وأوصى بتعزيزه بعناصر ذات كفاءة وخبرة مثبتة، مع إخضاع اعتمادها لموافقة الشركة الوطنية للكهرباء.
واقترحت اللجنة إعادة تأهيل المحطتين المتضررتين عبر مهندس استشاري مستقل وشركة مؤهلة، على أن تكون إعادة تشغيل المنشآت مشروطة بإجراء تحقق موثق من مطابقتها وسلامة أنظمة الحماية.
كما أوصت بتشخيص شامل لأنظمة الحماية في محطات التحويل الرئيسية، وإعادة تأهيل المركز الوطني للتحكم، وتعزيز الحضور البشري في المواقع الحساسة، وتحسين أنظمة المراقبة والكشف المبكر عن الحرائق.
ودعت كذلك إلى إعداد بروتوكول مشترك بين الشركة الوطنية للكهرباء والحماية المدنية يحدد إجراءات الإنذار والتدخل وتوزيع المسؤوليات والوسائل الواجب تعبئتها في حالات الطوارئ، إلى جانب وضع إجراءات رسمية لعمليات عزل وتأمين وإعادة تشغيل الشبكات الكهربائية.
ووسعت اللجنة توصياتها لتشمل إصلاحات تنظيمية وهيكلية داخل الشركة الوطنية للكهرباء، معتبرة أن التحقيق كشف عن مواطن هشاشة تتجاوز المحطتين المتضررتين، وتتعلق بالتنظيم والكفاءات وإجراءات التسيير وقدرات قيادة المشاريع الاستثمارية.
وأوصت في هذا السياق بإسناد إدارة المشاريع الاستثمارية الكبرى إلى هيئة متخصصة منفصلة تنظيمياً عن وحدات الاستغلال، ومراجعة الهيكلة التنظيمية للشركة، وتطوير سياسات استقطاب وتكوين الموارد البشرية، وتحديث إجراءات الاستغلال والصيانة وإدارة الجودة.
كما اقترحت الاستعانة بمساعدة فنية من مشغل عمومي مرجعي في قطاع الكهرباء، وإنشاء آلية لمتابعة تنفيذ توصيات التقرير ورفع تقارير دورية حول مستوى التقدم في تطبيقها.
وكانت لجنة التحقيق قد شُكلت بقرار من الوزير الأول في 25 أغسطس 2026، بعد زيارة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني للمحطتين المتضررتين، وكُلفت بتحديد أسباب الحريقين ومسؤوليات مختلف الأطراف واقتراح التدابير التصحيحية والوقائية.
واعتمدت اللجنة في تحقيقها على المعاينات الميدانية والمقابلات والاختبارات الفنية ودراسة العقود والوثائق الإدارية والتقارير، كما استعانت بخبرات وطنية وأجنبية، من بينها مكتبا ECG السويسري وGOPA INTEC الألماني.




