
الريادة: واصل الريال الإيراني رحلة سقوطه الحر المستمر، ليسجل مستويات هبوط تاريخية جديدة في تداولات السوق الموازية، الإثنين، إذ تخطى سعر الصرف حاجز 2.45 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي الواحد، مدفوعًا بتأثير الخناق المالي والجوي الشامل المفروض على إيران.
ويأتي التدهور المتسارع للعملة بعد سلسلة العقوبات الغربية المركزة، وآخرها حملة وزارة الخزانة الأمريكية المسماة “عملية المنبوذ الاقتصادي”، والتي استهدفت بشكل مباشر قطاع الطيران والمصارف الإيرانية؛ ما تسبب في شلل تجاري واسع النطاق، وجفف قنوات التدفق النقدي بالعملة الصعبة (اقتصاد الكاش) التي كانت تعتمد عليها طهران لفك عزلها الدولي.
الحظر الجوي يغلق بوابات طهران المالية
تسبب الحظر الجوي الأخير في ضربة قاصمة لآليات التفاف النظام الإيراني على العقوبات. فعلى مدى السنوات الماضية، مثلت الرحلات الجوية للطيران الإيراني، شريان الحياة الأساسي لنقل السيولة النقدية المباشرة (الدولار واليورو الفيزيائي) وشراء قطع الغيار والسلع الحساسة.
وبموجب الإنذار الأخير الصادر عن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، واجهت المطارات وشركات الخدمات في المنطقة خيارًا حتميًا يفرض عليها إما وقف التعامل مع الطيران الإيراني، أو الحرمان التام من النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار.
ونتيجة لهذا التهديد، سارعت الدول إلى إلغاء وحظر رحلات الخطوط الجوية الإيرانية (وعلى رأسها شركة ماهان إير). وقد أدى الإغلاق الجوي المُحكم بشكل مباشر إلى خنق قنوات السيولة النقدية تمامًا وتوقف عمليات شحن رزم العملات الورقية الأجنبية التي كانت تتدفق عبر المطارات الإيرانية لتعذية السوق المحلية.
أسهمت هذه الإجراءات في عجز تجاري فوري وتفاقم الكلفة اليومية، إذ تشير التقديرات إلى أن خسارة الحركة الجوية والتجارية تكبّد الموازنة الإيرانية خسائر مباشرة تقارب 60 مليون دولار يوميًا، فضلاً عن تسببها في خسارة ما لا يقل عن 20% من إجمالي الواردات السلعية الحيوية كالأدوية والسلع الوسيطة.
التضخم يلتهم القدرة الشرائية
انعكس الانهيار النقدي الحاد للعملة الإيرانية مباشرة على المؤشرات الاقتصادية الداخلية؛ إذ أصبحت الفجوة بين السعر الرسمي الثابت لدى البنك المركزي الإيراني (420 ألف ريال) وسعر السوق الحقيقي (2.45 مليون ريال) تعادل أكثر من خمسة أضعاف، وهو ما يعكس فقدان السلطات النقدية السيطرة الكاملة على الأسواق الموازية.
في غضون ذلك، تسببت قفزة الدولار في إشعال أسواق الذهب والسلع في الداخل؛ إذ قفز سعر المسكوكة الذهبية متجاوزًا حاجز 242 مليون تومان (ما يوازي 2.42 مليار ريال)، مسجلًا زيادة قياسية عكست هروب المدخرين من الريال الإيراني المتهاوي إلى الملاذات الآمنة لحماية ثرواتهم وتجنب التآكل المستمر للقيمة الشرائية.
وتشير البيانات الصادرة عن منصات تتبع الأسواق الحرة في إيران إلى أن معدلات التضخم السنوية تجاوزت حاجز 61.4%، بينما ارتفعت مستويات تضخم أسعار المواد الغذائية والسلع التموينية الأساسية إلى نسبة مرعبة بلغت 128.1% على أساس سنوي، ما حوّل الأزمة الحالية إلى كارثة معيشية طالت تفاصيل الحياة اليومية لأكثر من 90 مليون مواطن إيراني يعانون من الارتفاع الجنوني اليومي للأسعار.
بنية اقتصادية مشلولة
تتفق تقارير وتحليلات المؤسسات المالية الدولية ومراكز الفكر الاقتصادي على أن الأزمة الراهنة في إيران تتجاوز مجرد تقلبات أسعار صرف اعتيادية، بل تمثل تفككًا هيكليًا مدفوعًا بالحصار البحري والجوي الصارم.
وفي هذا السياق، تشير القراءات التحليلية الصادرة عن خبراء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن استمرار تجفيف موارد النقد الأجنبي من الصادرات النفطية بسبب الحصار البحري، بالتوازي مع قطع بوابات التدفق الجوي، يفرغ البنك المركزي الإيراني من الاحتياطيات الأجنبية القابلة للاستخدام.
ويرى خبراء الصندوق، أن تعهدات الحكومة بضخ سيولة نقدية لدعم الريال لم تعد ذات جدوى حقيقية أمام طغيان العجز التجاري الواسع.
تدمير شبكات الالتفاف
من جانبه، يؤكد معهد التمويل الدولي (IIF) أن شبكات الالتفاف المالي التقليدية التي طورتها إيران على مدى عقود أصبحت اليوم أعلى كلفة وأقل كفاءة بشكل ملحوظ؛ حيث أدى تشديد الرقابة الأمريكية على المصارف الإيرانية إلى تراجع الوسطاء الدوليين عن الانخراط في صفقات المقاصة أو المبادلة خشية الوقوع تحت مقصلة العقوبات الثانوية.
وبالتوازي مع ذلك، يشير باحثون ماليون في مؤسسة أبحاث الدفاع التي تضم مجموعة من المسؤولين السابقين في الخزانة الأمريكية، إلى أن تعليق تراخيص الطيران المدني الدولي والإعفاءات المرتبطة به، أغلق تمامًا النوافذ التي كانت طهران تستخدمها لنقل العملات الصعبة والذهب الفيزيائي المادي، الأمر الذي يعني أن الاقتصاد الإيراني بات مضطرًا للعمل في بيئة معزولة تمامًا عن السيولة الأجنبية.
آفاق قاتمة
مع وصول الدولار إلى عتبة 2.45 مليون ريال، تتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومة مسعود بزشكيان.
ورغم لجوء السلطات النقدية مؤخرًا إلى طباعة أوراق نقدية ضخمة فئة 10 ملايين ريال لتسهيل المعاملات الورقية المفرطة، إلا أن هذه الخطوات تُذكي التضخم بدلاً من علاجه وتزيد من عمق الهوة الاقتصادية.
إن تجفيف اقتصاد الكاش حصر الخيارات الاقتصادية لطهران في زاوية حرجة؛ فالمقايضة السلعية المحدودة مع دول مثل الصين وروسيا لا توفر السيولة النقدية الكافية والمطلوبة للتحكم في معروض العملة الأجنبية داخل الأسواق المحلية، ما يمهد الطريق لمزيد من موجات الهبوط المتتالية في قيمة الريال، ويضع استقرار البلاد الاقتصادي والاجتماعي على المحك في ظل اتساع رقعة الأزمة المعيشية وتآكل الدخول بشكل غير مسبوق.




