الرقمنة مكسب وطني.. هارون ايديقبي يدعو إلى إعادة بناء الإدارة على أسس رقمية (النص الكامل للمداخلة)

القاضي الدكتور هارون ايديقبي
القاضي الدكتور هارون ايديقبي

الريادة: في إطار النقاش المتزايد حول أهمية التحول الرقمي ودوره في تطوير أداء مؤسسات الدولة وتعزيز جودة الخدمات العمومية، استعرض القاضي الدكتور هارون ايديقبي، خلال ندوة نظمها شباب نواكشوط الجنوبية تحت عنوان «الرقمنة مكسب وطني يعزز المنجزات الوطنية»، أبرز رهانات التحول الرقمي وآفاقه في موريتانيا، متناولاً أبعاده الإدارية والاقتصادية والتنموية، ودوره في تعزيز الشفافية ودعم القرار وحماية الموارد الوطنية.

وفي مداخلته، أكد ايديقبي أن الرقمنة لم تعد مجرد خيار تقني أو إداري، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في كفاءة الدولة وقدرتها على تحسين خدماتها وتعزيز أدائها، مشدداً على أن التحول الرقمي الحقيقي يتجاوز رقمنة الوثائق والإجراءات إلى إعادة هندسة العمل الإداري، وربط الأنظمة، وتوظيف البيانات في صناعة القرار وقياس أثر الإنجازات.

كما توقف عند أبرز التحديات والمتطلبات المرتبطة بإنجاح مسار التحول الرقمي، مقدماً جملة من المقترحات والمرتكزات الكفيلة بجعل الرقمنة رافعة لكفاءة الدولة، وأداة لتقريب خدماتها من المواطنين، وتعزيز الشفافية وحماية المال العام، وفتح آفاق اقتصادية جديدة.

وفيما يلي تنشر «الريادة» النص الكامل للمداخلة:

السيدات والسادة.

أيها الحضور الكريم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الرقمنة مكسب وطني يعزز المنجزات الوطنية

يشرفني أن أتناول أمامكم موضوعا لم يعد مجرد خيار تقني أو إداري، وإنما أصبح أحد محددات قوة الدولة وكفاءة مؤسساتها وقدرتها على تحقيق التنمية، وهو الرقمنة مكسب وطني يعزز المنجزات الوطنية.

إن الحديث عن الرقمنة اليوم هو حديث عن إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، وعن تحسين أداء المؤسسات، وعن حماية الموارد، وعن القرار المبني على البيانات، وعن اقتصاد جديد أصبحت فيه المعلومة موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الموارد التقليدية.

أولا: لماذا أصبحت الرقمنة ضرورة وطنية؟

تشير بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو 6 مليارات شخص، أي حوالي 74% من سكان العالم، كانوا يستخدمون الإنترنت سنة 2025، مقابل 60% سنة 2020؛ ومع ذلك لا يزال نحو 2.2 مليار شخص خارج الفضاء الرقمي. وهذا يؤكد أن العالم يشهد تحولاً هيكليا، وأن الفجوة الرقمية أصبحت جزءًا من فجوة التنمية نفسها (ITU).

أما في موريتانيا، فتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة مستخدمي الإنترنت بلغت 46% من السكان سنة 2024. وتشير بيانات أخرى منشورة في تقرير Digital 2025: Mauritania إلى وجود نحو 1.96 مليون مستخدم للإنترنت في بداية 2025، أي نسبة انتشار بلغت 37.4% وفق المنهجية المستخدمة في ذلك التقرير، مع 6.14 مليون اتصال خلوي، بما يعادل 117% من السكان؛ وهو اختلاف يوضح أهمية التمييز بين مؤشرات الاستخدام ومؤشرات الاشتراكات والاتصالات.

إذن نحن أمام واقع واضح: موريتانيا دخلت بالفعل العصر الرقمي، لكن أمامها مجال واسع لتعميق التحول وتوسيع الاستفادة منه. وهنا تكمن الفرصة الوطنية.

ثانيا: الرقمنة ليست تحويل الورق إلى شاشة

من الأخطاء المنهجية اختزال الرقمنة في إنشاء المواقع والمنصات وتحويل الوثائق الورقية إلى ملفات إلكترونية. فالتحول الرقمي الحقيقي يعني إعادة هندسة الإجراءات، وربط الأنظمة وتبادل البيانات، وتبسيط المساطر، وتحويل المعلومات إلى أداة لاتخاذ القرار.

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: كم منصة أنشأنا؟

بل:

  • كم إجراء اختصرنا؟
  • كم يوما وفرنا على المواطن؟
  • كم تكلفة خفضنا؟
  • كم خطأ تجنبنا؟
  • وكم قرارًا أصبح أكثر دقة؟

فالرقمنة الناجحة هي التي تنتج أثرًا ملموسًا.

ثالثا: الرقمنة تعزز الإنجاز الوطني

كل دولة تنجز مشاريع وبرامج وسياسات عمومية، لكن التحدي لا يكمن فقط في الإنجاز، وإنما في: توثيقه، وقياسه، ومتابعته، وتقييم أثره، وضمان استدامته. وهنا تؤدي الرقمنة دورا حاسما.

فالمنظومة الرقمية تستطيع أن تحول الإنجاز من معلومة عامة إلى بيانات قابلة للقياس:

  • كم أنجزنا؟
  • أين أنجزنا؟
  • متى أنجزنا؟
  • من استفاد؟
  • ما التكلفة؟
  • ما نسبة التنفيذ؟
  • وما الأثر؟

وهكذا تنتقل الإدارة من إدارة الانطباعات إلى إدارة النتائج. وهذه النقلة في حد ذاتها مكسب مؤسسي كبير.

رابعا: الدليل الموريتاني على جدوى الرقمنة

تقدم البنية الرقمية في موريتانيا مثالاً مهما على قدرة الاستثمار الرقمي على إحداث تحول ملموس. فبحسب تقييم البنك الدولي للاقتصاد الرقمي في موريتانيا، أدى تشغيل أول كابل بحري للإنترنت في البلاد سنة 2012 إلى انخفاض متوسط سعر النطاق العريض بالجملة بنحو 99%، من حوالي 7000 دولار شهريًا إلى 55 دولارا (World Bank).

هذه النسبة ليست مجرد رقم تقني؛ إنها دليل اقتصادي واضح على أن الاستثمار في البنية الرقمية يمكن أن يخفض تكلفة الاتصال بصورة هائلة، ويفتح المجال أمام توسع الاستخدام والخدمات الرقمية.

وهذا يقودنا إلى قاعدة مهمة: كلما انخفضت تكلفة البنية الرقمية وتحسنت جودتها، اتسعت قاعدة المستفيدين من الاقتصاد الرقمي والخدمات الرقمية.

خامسا: الرقمنة والإدارة العمومية

الرقمنة تمنح الإدارة فرصة للانتقال من نموذج يقوم على:

الملف الورقي المراسلة الانتظار التأشير الأرشفة

إلى نموذج يقوم على:

البيانات المعالجة الرقمية التتبع القرار التقييم.

وهذا يعني تقليل الوقت والتكلفة والأخطاء، ورفع مستوى الشفافية. وقد اتخذت موريتانيا بالفعل خطوات في هذا الاتجاه.

ومن الأمثلة الحديثة أن عملية دعم كفاءة الإنفاق العام التي أقرها البنك الدولي سنة 2025، بقيمة إجمالية تبلغ 50 مليون دولار، تتضمن دعم نشر نظام المشتريات الحكومية الإلكتروني e-GP، بهدف تبسيط إجراءات المشتريات وتقليل آجال المعالجة وتقليل استعمال الورق والتنقل. وهذا نموذج واضح لكيف يمكن للرقمنة أن تتحول من مشروع تقني إلى أداة لإصلاح الإدارة وتحسين الإنفاق العمومي.

سادسا: الرقمنة والشفافية ومكافحة الفساد

من أهم مزايا الإدارة الرقمية أنها تجعل الإجراءات قابلة للتتبع. ففي الإدارة التقليدية قد يكون السؤال: أين يوجد الملف؟ أما في الإدارة الرقمية فيصبح السؤال: ما المرحلة التي وصل إليها الملف؟ ومن عالجه؟ ومتى؟ وكم استغرق؟

وهنا تتحول التكنولوجيا إلى أداة للرقابة والمساءلة. فالرقمنة لا تمنع الفساد بصورة آلية، لكنها تقلص مساحات الغموض وتزيد قابلية الإجراءات للتتبع والتدقيق، وتوفر أثرًا رقميًا للمعاملات. ومن ثم فإنها يمكن أن تعزز مبادئ: الشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وحسن استخدام المال العام.

سابعًا: الرقمنة وتقريب الدولة من المواطن

في بلد واسع المساحة وقليل الكثافة السكانية مثل موريتانيا تصبح الرقمنة ذات قيمة خاصة. فهي قادرة على اختصار المسافة بين المواطن والإدارة. المواطن الذي كان يحتاج إلى السفر للحصول على وثيقة أو تقديم طلب أو متابعة ملف يمكن، متى توفرت الخدمة الرقمية المناسبة، أن يقوم بذلك عن بعد.

وبذلك تصبح التكنولوجيا وسيلة لتحقيق مبدأ جوهري في الإدارة الحديثة:

الإدارة تذهب إلى المواطن، بدل أن يظل المواطن مضطرًا إلى الذهاب إلى الإدارة.

وهذا ليس مجرد تسهيل إداري؛ بل هو تعزيز للعدالة في الوصول إلى الخدمة العمومية.

ثامنا: الرقمنة ودعم القرار الوطني

في الدولة الحديثة، أصبحت البيانات من أهم الأصول الاستراتيجية. فلا يمكن التخطيط للصحة دون بيانات صحية دقيقة، ولا للتعليم دون بيانات عن المدارس والتلاميذ والمدرسين، ولا للحماية الاجتماعية دون قاعدة بيانات موثوقة للمستفيدين. والأهم أن ربط هذه البيانات وفق الضوابط القانونية يسمح ببناء صورة أكثر دقة عن الواقع الوطني.

ولهذا فإن الانتقال من القرار المبني على التقدير إلى القرار المبني على البيانات يمثل أحد أهم مكاسب التحول الرقمي.

تاسعا: الرقمنة والعدالة الاجتماعية

يمكن للرقمنة أن تكون أيضًا أداة لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية. فكلما تحسنت جودة البيانات، أصبح بالإمكان استهداف البرامج الاجتماعية بصورة أكثر دقة، وتقليل أخطاء الاستهداف، وقياس أثر الدعم.

وهنا ننتقل من سؤال: كم أنفقنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما الأثر الذي أحدثه هذا الإنفاق؟ وهذا هو جوهر الإدارة القائمة على النتائج.

عاشرا: أين تقف موريتانيا اليوم؟

ينبغي أن نكون واقعيين. فموريتانيا حققت تقدما رقميًا مهما، لكنها ما زالت أمام تحديات كبيرة. ففي مؤشر الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الإلكترونية لعام 2024، حصلت موريتانيا على درجة 0.3491 واحتلت المرتبة 165 عالميا، ضمن فئة التنمية الإلكترونية المتوسطة. كما أن درجة الخدمات الإلكترونية نفسها كانت أقل من مستوى البنية التحتية والقدرات البشرية، وهو ما يبرز الحاجة إلى تعميق الخدمات الرقمية وليس فقط توسيع الاتصال (government-transformation.com).

وهذه الأرقام لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها حكمًا سلبيًا، وإنما باعتبارها خط أساس نقيس عليه التقدم المقبل. فالرقمنة مشروع تراكمي، وما تحقق هو قاعدة للبناء، وليس نهاية الطريق.

الحادي عشر: التحدي الأكبر هو الفجوة الرقمية

إذا كان حوالي 46% من السكان يستخدمون الإنترنت وفق أحدث رقم للبنك الدولي المتاح لعام 2024، فإن هذا يعني ببساطة، أن جزءا كبيرًا من السكان ما زال خارج الاستخدام الرقمي (World Bank Open Data).

ومن هنا لا يجوز أن تكون الرقمنة مشروعًا للنخب أو لسكان المدن فقط. بل يجب أن تصل إلى: الريف، والمناطق النائية، والنساء، والشباب، والأشخاص الأقل قدرة على استخدام التكنولوجيا.

فالتحول الرقمي الذي يزيد الفجوة بين المواطنين لا يحقق غايته الاجتماعية. أما التحول الذي يوسع الوصول إلى الخدمة والمعرفة والفرص، فهو الذي يصبح مكسبا وطنيا حقيقيا.

الثاني عشر: من الرقمنة إلى الاقتصاد الرقمي

لا ينبغي أن ننظر إلى الرقمنة باعتبارها إصلاحا للإدارة فقط. إنها كذلك فرصة اقتصادية. فالاقتصاد الرقمي يفتح مجالات جديدة في:

  • التجارة الإلكترونية
  • الخدمات المالية الرقمية
  • البرمجة
  • الاستشارات
  • التعليم عن بعد
  • الخدمات الحكومية الرقمية
  • تحليل البيانات
  • والذكاء الاصطناعي.

ويمكن لموريتانيا أن تحول جزءًا من شبابها من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها. وهذا يتطلب الاستثمار في المهارات الرقمية، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الجديد.

الثالث عشر: الأمن السيبراني جزء من السيادة الوطنية

كلما توسع الاعتماد على التكنولوجيا، أصبحت حماية الأنظمة والبيانات أكثر أهمية. فبيانات الدولة ليست مجرد ملفات، إنها جزء من الأمن الوطني والسيادة الرقمية.

ولهذا يجب أن تسير الرقمنة بالتوازي مع: الأمن السيبراني، حماية البيانات الشخصية، تأمين البنى التحتية، النسخ الاحتياطي، استمرارية الخدمات، وتأهيل الكفاءات الوطنية. فالرقمنة من دون أمن رقمي قد تحول نقطة القوة إلى نقطة ضعف.

الرابع عشر: ماذا نحتاج في المرحلة المقبلة؟

في تقديري، ينبغي أن يقوم المسار الموريتاني للتحول الرقمي على سبعة مرتكزات:

  1. رؤية وطنية موحدة تمنع تشتت المشاريع وتكرارها.
  2. تبسيط الإجراءات قبل رقمنتها؛ لأن رقمنة الإجراء المعقد لا تجعله بسيطا.
  3. ربط الأنظمة الحكومية وإنشاء قابلية حقيقية لتبادل البيانات.
  4. الاستثمار في البنية التحتية وتوسيع الوصول إلى الإنترنت عالي الجودة وبأسعار مناسبة.
  5. الاستثمار في الإنسان الموريتاني وتكوين موظفين ومتخصصين في البيانات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
  6. حماية البيانات وتعزيز الأمن السيبراني.
  7. قياس الأثر، بحيث يكون معيار نجاح المشروع الرقمي هو ما أحدثه من تغيير في حياة المواطن وفي كفاءة الدولة.

الخاتمة

السيدات والسادة،

إن الرقمنة ليست مجرد تقنية جديدة تدخل إلى الإدارة، وإنما هي تحول في فلسفة الدولة وطريقة إدارتها لمواردها وعلاقتها بمواطنيها.

والأرقام تؤكد أن موريتانيا تمتلك اليوم قاعدة يمكن البناء عليها:

  • 46% من السكان يستخدمون الإنترنت وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024.
  • نحو 1.96 مليون مستخدم للإنترنت في بداية 2025 وفق DataReportal.
  • 6.14 مليون اتصال خلوي.
  • انخفاض بنسبة 99% في سعر النطاق العريض بالجملة بعد دخول الكابل البحري.
  • ومشروع للمشتريات الحكومية الإلكترونية مدعوم ضمن إصلاحات كفاءة الإنفاق العام (World Bank Open Data).

لكن الأرقام تقول أيضا إن أمامنا تحديا كبيرا؛ إذ ما زالت موريتانيا في المرتبة 165 عالميا في مؤشر الحكومة الإلكترونية للأمم المتحدة لعام 2024 (government-transformation.com).

ومن هنا يجب ألا يكون هدفنا مجرد رقمنة الإدارة، وإنما إعادة بناء الإدارة على أساس رقمي.

فالرقمنة الناجحة هي التي:

  • تختصر الوقت
  • وتخفض التكلفة
  • وتحسن القرار
  • وتعزز الشفافية
  • وتقرب الخدمة من المواطن
  • وتحمي المال العام
  • وتخلق فرصا اقتصادية
  • وتعزز السيادة الوطنية.

ولهذا فإن عنواننا اليوم ليس مجرد شعار: الرقمنة مكسب وطني يعزز المنجزات الوطنية.

إنها مكسب لأنها تحفظ الإنجاز وتوثقه وتقيس أثره. وهي رافعة لأنها تجعل الإنجاز أكثر كفاءة واستدامة. وهي وطنية لأنها لا تخدم مؤسسة بعينها، وإنما تعزز قدرة الدولة الموريتانية على خدمة مواطنيها وحماية مواردها وتحقيق أهدافها التنموية.

والرهان الحقيقي ليس أن نمتلك دولة رقمية فحسب، بل أن نبني من خلال الرقمنة دولة أكثر كفاءة، وأكثر شفافية، وأقرب إلى المواطن، وأقدر على تحويل مواردها وإنجازاتها إلى نتائج ملموسة ومستدامة.

وشكرا لكم.