
الريادة: ليست كل الأيام متشابهة في دفتر التاريخ؛ فبعضها يمرّ عابرًا، وبعضها يتحول إلى نقطة فاصلة بين عهدين، حين تنتهي حرب، أو تولد دولة، أو يتغير مسار سياسي، أو يفتح اكتشاف علمي الباب أمام عصر جديد.
وفي العاشر من سبتمبر، تستعيد الذاكرة محطات متعددة، من بينها تأسيس مدينة جنيف الحديثة، واندلاع معارك وحروب تركت آثارًا بعيدة المدى، وبدء مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات الدولية، إلى جانب أحداث علمية وسياسية وثقافية ورياضية بقي صداها حاضرًا بعد عقود.
1813.. انتصار أمريكي حاسم في معركة بحيرة إيري
في العاشر من سبتمبر 1813، حققت القوات البحرية الأمريكية انتصارًا مهمًا على الأسطول البريطاني في معركة بحيرة إيري، خلال حرب 1812 بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
وقاد الأسطول الأمريكي العميد أوليفر هازارد بيري، الذي تمكن من هزيمة القوة البريطانية والسيطرة على البحيرة، في انتصار كان له أثر مباشر على العمليات العسكرية في المنطقة.
وأصبحت المعركة واحدة من أبرز الانتصارات البحرية الأمريكية في الحرب، كما ساهمت في تعزيز موقع الولايات المتحدة في المناطق المحيطة بالبحيرات العظمى.
1898.. اغتيال الإمبراطورة إليزابيث النمساوية
في العاشر من سبتمبر 1898، قُتلت الإمبراطورة إليزابيث النمساوية، المعروفة باسم «سيسي»، في مدينة جنيف السويسرية على يد الإيطالي لويجي لوتشيني.
وكان لوتشيني قد طعن الإمبراطورة بسلاح حاد أثناء وجودها في جنيف، لتفارق الحياة بعد وقت قصير متأثرة بجراحها.
وأحدث اغتيال سيسي صدمة واسعة في أوروبا، خصوصًا أنها كانت من أشهر الشخصيات الملكية في القارة آنذاك، وتحولت حياتها لاحقًا إلى موضوع للعديد من الكتب والأفلام والأعمال الفنية.
1919.. معاهدة سان جيرمان تعيد رسم خريطة أوروبا
في العاشر من سبتمبر 1919، وُقعت معاهدة سان جيرمان بين الحلفاء والنمسا، في واحدة من أهم التسويات السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.
وفرضت المعاهدة قيودًا عسكرية وسياسية على النمسا، كما اعترفت بتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية وظهور دول جديدة في وسط وشرق أوروبا.
وكانت المعاهدة جزءًا من عملية إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة بعد الحرب، وأسهمت في تشكيل النظام الأوروبي الجديد الذي خرج من أنقاض الإمبراطوريات القديمة.
1939.. كندا تدخل الحرب العالمية الثانية
في العاشر من سبتمبر 1939، أعلنت كندا الحرب على ألمانيا، لتنضم رسميًا إلى بريطانيا وفرنسا والحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
وجاء القرار بعد أيام من إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا عقب غزو بولندا.
وكان دخول كندا الحرب خطوة مهمة في تاريخها الحديث، إذ تحولت البلاد خلال سنوات الحرب إلى قوة عسكرية وصناعية رئيسية ضمن معسكر الحلفاء، وشاركت قواتها في عدد من الجبهات والعمليات الكبرى.
1960.. تأسيس منظمة البلدان المصدرة للنفط
في العاشر من سبتمبر 1960، اجتمعت الدول المؤسسة لـمنظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» في بغداد، في إطار التحركات التي قادت إلى تأسيس المنظمة التي أصبحت لاحقًا واحدة من أهم المؤسسات المؤثرة في سوق الطاقة العالمي.
وضمت الدول المؤسسة: إيران، والعراق، والكويت، والسعودية، وفنزويلا.
وجاء إنشاء المنظمة في مرحلة كانت فيها شركات النفط الكبرى تملك نفوذًا واسعًا على أسواق الطاقة وأسعارها، بينما سعت الدول المنتجة إلى تعزيز قدرتها على التأثير في سياسات الإنتاج والأسعار.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت «أوبك» لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع تزايد أهمية النفط في الصناعة والنقل والتجارة الدولية.
1966.. تأسيس «سيرن» ومرحلة جديدة في أبحاث الفيزياء
وفي العاشر من سبتمبر 1966، دخلت اتفاقية جديدة بشأن المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن» حيز التنفيذ، في إطار تطور المؤسسة التي أصبحت لاحقًا واحدة من أهم مراكز البحث العلمي في العالم.
وتحولت «سيرن» إلى مركز دولي رئيسي لدراسة فيزياء الجسيمات، واحتضنت على مدى العقود التالية تجارب علمية كبرى أسهمت في تطوير فهم العلماء لبنية المادة والقوى الأساسية في الكون.
ومن أشهر إنجازاتها لاحقًا تشغيل مصادم الهدرونات الكبير، الذي أصبح أحد أبرز المشاريع العلمية في القرن الحادي والعشرين.
1974.. غينيا بيساو تعلن استقلالها
في العاشر من سبتمبر 1974، اعترفت البرتغال رسميًا باستقلال غينيا بيساو، بعد سنوات من حرب التحرير التي خاضتها الحركة الأفريقية لاستقلال غينيا والرأس الأخضر ضد الاستعمار البرتغالي.
وجاء الاعتراف بعد ثورة القرنفل في البرتغال التي أطاحت النظام الديكتاتوري وفتحت الطريق أمام إنهاء الحروب الاستعمارية البرتغالية في إفريقيا.
وكان استقلال غينيا بيساو جزءًا من موجة واسعة شهدتها القارة الإفريقية خلال القرن العشرين، مع انتقال العديد من المستعمرات إلى بناء دولها الوطنية المستقلة.
2008.. انطلاق مصادم الهدرونات الكبير
في العاشر من سبتمبر 2008، بدأ مصادم الهدرونات الكبير في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن» تشغيله لأول مرة، في حدث اعتُبر لحظة فارقة في تاريخ الفيزياء الحديثة.
ويُعد المصادم أكبر وأقوى مسرّع للجسيمات في العالم، وقد صُمم لدراسة الجسيمات الأولية والظواهر التي تحكم بنية المادة.
وبعد سنوات من التجارب، ساهمت أبحاث المصادم في تأكيد وجود بوزون هيغز سنة 2012، وهو اكتشاف شكل محطة مهمة في فهم النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات.
وهكذا تحول العاشر من سبتمبر 2008 إلى تاريخ بارز في رحلة الإنسان لفهم أصغر مكونات الكون.
2012.. أول رحلة مأهولة تجارية إلى الفضاء
وفي العاشر من سبتمبر 2012، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الرحلات الفضائية التجارية مع تزايد الاعتماد على الشركات الخاصة في تطوير المركبات والعمليات المرتبطة بالفضاء.
وكانت تلك المرحلة امتدادًا لتحول تدريجي في قطاع الفضاء، انتقل فيه النشاط الفضائي من كونه حكرًا شبه كامل على الحكومات ووكالات الفضاء الوطنية إلى مجال تشارك فيه شركات خاصة بصورة متزايدة.
وقد مهّد ذلك لاحقًا لازدهار قطاع الرحلات الفضائية التجارية وإطلاق الأقمار الصناعية والخدمات المرتبطة بالفضاء.
10 سبتمبر.. يوم تتقاطع فيه السياسة والعلم والحرب
من بحيرة إيري التي شهدت انتصارًا بحريًا غيّر مسار حرب 1812، إلى جنيف التي شهدت اغتيال إحدى أشهر ملكات أوروبا، ومن معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى دخول كندا الحرب العالمية الثانية، ومن تأسيس «أوبك» إلى تطور أبحاث الجسيمات في «سيرن»؛ يحمل العاشر من سبتمبر صفحات متعددة من التاريخ.
إنها ذاكرة يوم تتقاطع فيه الحروب والتحولات السياسية، واستقلال الدول، وصعود المؤسسات الدولية، والتطور العلمي والتكنولوجي.
وكما هو حال التاريخ دائمًا، فإن بعض أحداث العاشر من سبتمبر لم تنتهِ بانتهاء يومها؛ بل امتدت آثارها لعقود، سواء في إعادة تشكيل خريطة الدول، أو في الاقتصاد العالمي، أو في سباق الإنسان لفهم الكون.
ففي صفحات هذا اليوم، تتجاور نهايات إمبراطوريات، وبدايات دول، وتحولات في موازين القوة، واكتشافات علمية فتحت أبوابًا جديدة للمستقبل، لتؤكد ذاكرة العاشر من سبتمبر أن التاريخ لا يُقاس بالأيام وحدها، بل بما تتركه تلك الأيام من آثار في حياة الشعوب والأمم.




