ذاكرة الأيام | 7 سبتمبر.. من مخاض الاستقلال الموريتاني إلى تحولات العالم

الريادة: ليست كل الأيام متشابهة في دفتر التاريخ؛ فبعضها يمرّ عابرًا، وبعضها يفتح أبوابًا على مراحل كاملة من التحولات السياسية والاجتماعية، حين تتقاطع إرادة الشعوب مع صراع القوى، وتصبح الشوارع والساحات والمواثيق الدولية شاهدة على ولادة عهود جديدة.

وفي السابع من سبتمبر، تستعيد الذاكرة محطات متعددة تبدأ من موريتانيا، حيث شهدت نواكشوط سنة 1960 تحركًا سياسيًا مرتبطًا بمحاولات جمع الأحزاب والتيارات الوطنية في مرحلة كانت البلاد تستعد فيها لإعلان استقلالها، وتمتد إلى البرازيل التي أعلنت استقلالها عن البرتغال سنة 1822، ثم إلى الحرب العالمية الثانية حين بدأت الغارات الألمانية الواسعة على لندن سنة 1940.

وفي إفريقيا، حمل اليوم نفسه محطات بارزة من مسار مقاومة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، من تنصيب ديزموند توتو أول رئيس أسود للكنيسة الأنغليكانية في جنوب إفريقيا سنة 1986، إلى مذبحة بيسهو سنة 1992. وعلى المستوى الدولي، ارتبط السابع من سبتمبر بتوقيع معاهدات قناة بنما سنة 1977، وبروتوكول إنهاء انتفاضة الملاكمين في الصين سنة 1901.

1960.. نواكشوط تشهد تحركًا سياسيًا في طريق الاستقلال

في السابع من سبتمبر 1960، وصلت قيادات حزب النهضة إلى نواكشوط، في إطار أجواء سياسية كانت تتجه نحو عقد «مائدة مستديرة» تجمع مختلف الأحزاب والتيارات السياسية الموريتانية.

وتسبب وصول قيادات النهضة في تنظيم مظاهرات واحتكاكات بالعاصمة، في وقت كانت فيه البلاد تعيش مرحلة شديدة الحساسية قبل إعلان الاستقلال. وتروي شهادات تاريخية أن الهدف من حضور قيادات النهضة إلى نواكشوط كان الدخول في مشاورات حول توحيد الصف السياسي والاستعداد للمرحلة المقبلة.

وتكشف هذه الواقعة جانبًا من المخاض السياسي الذي رافق السنوات الأخيرة من الوجود الاستعماري، حيث كانت مسألة توحيد القوى السياسية وبناء الدولة المستقلة من أبرز التحديات المطروحة أمام النخب الموريتانية آنذاك.

1822.. البرازيل تعلن استقلالها عن البرتغال

في السابع من سبتمبر 1822، أعلن الأمير بيدرو استقلال البرازيل عن البرتغال، في محطة أصبحت لاحقًا واحدة من أبرز المناسبات الوطنية في تاريخ البلاد.

وجاء إعلان الاستقلال بعد سنوات من التحولات السياسية التي أعقبت انتقال العائلة الملكية البرتغالية إلى البرازيل، قبل أن تتصاعد الخلافات بين البرازيل والبرتغال بشأن مستقبل المستعمرة، وصولًا إلى إعلان الاستقلال الذي أسس لقيام الإمبراطورية البرازيلية. وتؤكد مكتبة الكونغرس الأمريكي أن تاريخ استقلال البرازيل هو 7 سبتمبر 1822.

وأصبح هذا التاريخ لاحقًا عيد الاستقلال في البرازيل، وارتبط في الذاكرة الوطنية بما يعرف بـ«صرخة إيبيرانغا» التي أعلن خلالها بيدرو الانفصال عن البرتغال.

1901.. بروتوكول ينهي انتفاضة الملاكمين في الصين

في السابع من سبتمبر 1901، وقعت الصين والقوى الأجنبية المشاركة في قمع انتفاضة الملاكمين «بروتوكول بكين»، الذي أنهى رسميًا مرحلة من المواجهة التي هزت الصين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ووقع البروتوكول ممثلو أسرة تشينغ وعدد من القوى، بينها الولايات المتحدة واليابان ودول أوروبية، وتضمن تسوية للمسائل الناجمة عن الانتفاضة وما رافقها من تدخل عسكري أجنبي. وتحتفظ مكتبة الكونغرس بنسخة من البروتوكول المؤرخ في 7 سبتمبر 1901.

1940.. لندن تدخل تحت القصف الألماني

في السابع من سبتمبر 1940، بدأت ألمانيا النازية غارات جوية واسعة النطاق على لندن، في تحول بارز ضمن معركة بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

وشنت القوات الجوية الألمانية هجمات كبيرة على أرصفة ومناطق في شرق لندن، مستخدمة تشكيلات واسعة من القاذفات والطائرات المقاتلة، لتبدأ مرحلة جديدة من القصف المتواصل للعاصمة البريطانية. ويشير متحف سلاح الجو الملكي البريطاني إلى أن الهجمات الكبيرة بدأت في ذلك اليوم واستمرت ضمن مرحلة امتدت حتى مطلع أكتوبر.

وأصبحت تلك الغارات جزءًا من واحدة من أشهر محطات الحرب العالمية الثانية، فيما فشلت الحملة الألمانية في إخضاع بريطانيا أو تمهيد الطريق لغزوها.

1977.. واشنطن وبنما تعيدان رسم مستقبل القناة

في السابع من سبتمبر 1977، وقع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر والزعيم البنمي عمر توريخوس معاهدتي قناة بنما في واشنطن، في اتفاق أنهى تدريجيًا السيطرة الأمريكية على القناة ومهد لتسليمها إلى بنما.

ونصت المعاهدتان على إنهاء منطقة القناة، وعلى انتقال السيطرة الكاملة عليها إلى بنما في نهاية عام 1999، مع ضمان حياد القناة واستمرار استخدامها للملاحة الدولية.

وكان الاتفاق تحولًا مهمًا في العلاقات الأمريكية ـ اللاتينية، بعدما ظلت القناة لعقود رمزًا لنفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.

1986.. ديزموند توتو يتقدم إلى قيادة الكنيسة في جنوب إفريقيا

في السابع من سبتمبر 1986، نُصّب ديزموند توتو رئيسًا لأساقفة كيب تاون، ليصبح أول شخص أسود يتولى قيادة الكنيسة الأنغليكانية في جنوب إفريقيا.

وجاء ذلك في ذروة الصراع ضد نظام الفصل العنصري، وكان توتو، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1984، من أبرز الأصوات الداعية إلى إنهاء نظام الأقلية البيضاء بالوسائل السلمية.

وأضفى وصوله إلى هذا المنصب بعدًا رمزيًا وسياسيًا على موقع الكنيسة في مواجهة نظام الفصل العنصري، قبل أن يصبح لاحقًا أحد أبرز رموز المصالحة الوطنية في جنوب إفريقيا.

1992.. مذبحة بيسهو تهز جنوب إفريقيا

في السابع من سبتمبر 1992، شهدت مدينة بيسهو، عاصمة منطقة سيسكي آنذاك، واحدة من أكثر المحطات دموية في الطريق إلى إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وكان عشرات الآلاف من أنصار المؤتمر الوطني الإفريقي قد شاركوا في مسيرة للمطالبة بإنهاء الحكم العسكري في سيسكي والسماح بالنشاط السياسي، قبل أن تطلق قوات دفاع سيسكي النار على المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل نحو 30 شخصًا وإصابة نحو 200 آخرين.

وساهمت المذبحة في دفع المفاوضات بين نظام الفصل العنصري والمؤتمر الوطني الإفريقي إلى مرحلة جديدة، وأصبحت إحدى المحطات التي عكست الكلفة البشرية الباهظة للصراع السياسي في جنوب إفريقيا.

7 سبتمبر.. يوم تتقاطع فيه حكايات الاستقلال والتحول

من نواكشوط التي كانت تبحث عن صيغة تجمع القوى السياسية في الطريق إلى الاستقلال، إلى البرازيل التي خرجت من الحكم البرتغالي، ومن لندن التي واجهت القصف إلى بنما التي استردت تدريجيًا سيادتها على قناتها، ومن جنوب إفريقيا التي قاومت نظام الفصل العنصري إلى الصين التي أنهت مرحلة من التدخل الأجنبي؛ يحمل السابع من سبتمبر أكثر من وجه في ذاكرة التاريخ.

إنها ذاكرة يومٍ تتجاور فيه معارك الاستقلال، وصراعات السيادة، ومقاومة التمييز، والتحولات الدولية، لتؤكد أن التاريخ لا يصنعه حدث واحد، وإنما تصنعه تراكمات من المواقف والقرارات التي قد تبدأ باجتماع سياسي في عاصمة ناشئة، وتنتهي بتغيير موازين القوى في دول وقارات بأكملها.