
الريادة: ليست كل الأيام متشابهة في دفتر التاريخ؛ فبعضها يمرّ عابرًا، وبعضها يفتح نوافذ على مراحل كاملة من التحولات السياسية، حين تكون الدول في طور التشكل، والشعوب في مواجهة أسئلة الاستقلال والسيادة، والعالم يعيد ترتيب خرائطه بعد الحروب والأزمات.
وفي الخامس من سبتمبر، تتقاطع في الذاكرة محطات موريتانية وإفريقية وعربية ودولية؛ تبدأ من الرباط سنة 1958، حيث كانت قضية موريتانيا حاضرة في مؤتمر حمل اسم «موريتانيا والصحراء المغربية»، في وقت كانت البلاد تخطو نحو الاستقلال وسط تجاذبات داخلية وإقليمية، وتمتد إلى السنغال سنة 1960، حيث كان ميلاد الدولة المستقلة لا يزال حديثًا، وإلى الكونغو في العام نفسه، حيث دخلت البلاد في واحدة من أخطر أزمات مرحلة ما بعد الاستعمار.
وفي الخلفية، تحضر محطات أخرى؛ من نهاية الحرب الروسية اليابانية، إلى بداية معركة المارن في الحرب العالمية الأولى، ثم مفاوضات كامب ديفيد، وإطلاق «فوياجر 1»، لتكشف ذاكرة الخامس من سبتمبر عن خيط واحد يجمع هذه الأحداث المتباعدة: عالمٌ يتغير، ودولٌ تبحث عن مكانها، وشعوبٌ تدفع ثمن الصراعات أو تحاول صناعة مستقبل مختلف.
1958.. موريتانيا في قلب جدل إقليمي حول المستقبل
في 5 سبتمبر 1958، كانت موريتانيا تعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخها السياسي حساسية، قبل الاستقلال بأكثر من عامين، وفي وقت كانت فرنسا تعيد تنظيم علاقتها بمستعمراتها الإفريقية في إطار مشروع «المجموعة الفرنسية».
وفي الرباط، كان مؤتمر «موريتانيا والصحراء المغربية» قد انعقد بمشاركة شخصيات ووفود موريتانية، في سياق سعى فيه المغرب إلى تأكيد مطالباته بشأن موريتانيا والصحراء.
وتوثق الأرشيفات الدبلوماسية الفرنسية أن 150 موريتانيًا مشاركًا في المؤتمر استُقبلوا يوم 5 سبتمبر في القصر الملكي بالرباط، بحضور الملك، كما ألقى أمير الترارزة محمد فال ولد عمير خطابًا أمام المشاركين.
لم يكن ذلك مجرد نشاط سياسي عابر؛ فموريتانيا كانت آنذاك تتحرك في فضاء إقليمي شديد التعقيد.
فمن جهة، كانت النخبة الوطنية الموريتانية تخوض معركة تثبيت الشخصية السياسية للبلاد، ومن جهة أخرى، كانت مطالبات إقليمية تعتبر موريتانيا جزءًا من مجال سياسي وتاريخي أوسع.
وفي الداخل، كانت القوى السياسية الموريتانية نفسها تختلف حول الطريق الذي ينبغي أن تسلكه البلاد، بين من يرى ضرورة الاستقلال ضمن الدولة الموريتانية الناشئة، ومن كان أقرب إلى التصورات الوحدوية مع المغرب.
وكانت تلك التجاذبات تجري بالتزامن مع اقتراب الاستفتاء الدستوري الفرنسي في سبتمبر 1958، الذي شكّل محطة مفصلية في علاقة الأقاليم الإفريقية بفرنسا.
وهكذا أصبح 5 سبتمبر 1958 يومًا يعكس بوضوح حجم الصراع حول سؤال بسيط في ظاهره، لكنه بالغ التعقيد في جوهره: هل تكون موريتانيا دولة مستقلة بذاتها، أم جزءًا من مشروع إقليمي أوسع؟
1960.. السنغال تبدأ عهد الدولة المستقلة
بعد عامين فقط، كان غرب إفريقيا يعيش موجة الاستقلالات التي عُرفت لاحقًا بعام إفريقيا.
وفي 5 سبتمبر 1960، كان الرئيس السنغالي ليوبولد سيدار سنغور ورئيس الوزراء مامادو ديا يظهران وسط الجماهير في شوارع دكار، في مشهد يلخص مرحلة جديدة بدأت فيها السنغال تثبيت مؤسسات دولتها المستقلة.
وتشير وثائق المركز الأوروبي للمصادر الافتراضية إلى أن سنغور، الذي أصبح رئيسًا للجمهورية، ومامادو ديا، رئيس الوزراء، ظهرا في ذلك اليوم وهما يحييان الجماهير في شوارع دكار.
وكانت السنغال قد خرجت لتوها من تجربة اتحاد مالي، الذي جمعها مع السودان الفرنسي قبل أن ينفرط عقده في أغسطس 1960.
وبالنسبة لموريتانيا، التي كانت تستعد بدورها للاستقلال في نوفمبر من العام نفسه، كانت التطورات السنغالية تحمل دلالة خاصة؛ فالدول المجاورة كانت تتسابق إلى تثبيت استقلالها وبناء علاقاتها الجديدة مع العالم، بينما كانت نواكشوط تستعد لخوض المرحلة الأخيرة من مسارها نحو الدولة المستقلة.
1960.. أزمة الكونغو تكشف هشاشة الاستقلالات الجديدة
وفي اليوم نفسه تقريبًا، كانت إفريقيا الوسطى تعيش واحدة من أكثر أزماتها السياسية خطورة.
ففي ليلة 5 سبتمبر 1960، أعلن رئيس الكونغو جوزيف كازافوبو إقالة رئيس الوزراء باتريس لومومبا عبر الإذاعة، بعد أسابيع قليلة من استقلال البلاد عن بلجيكا.
لكن لومومبا رفض القرار، ورد عبر الإذاعة مؤكدًا أنه لا يعترف بإقالته، لتبدأ مواجهة دستورية وسياسية سرعان ما تحولت إلى أزمة دولية.
وتدخلت الأمم المتحدة في الأزمة، فيما ازدادت حدة التنافس بين القوى الدولية خلال الحرب الباردة، قبل أن ينتهي الصراع لاحقًا إلى إقصاء لومومبا ثم مقتله في يناير 1961.
وهكذا أظهرت أزمة الكونغو الوجه الآخر للاستقلال الإفريقي: فالحصول على علم جديد ودولة مستقلة لم يكن يعني بالضرورة امتلاك القرار الوطني بعيدًا عن التدخلات الخارجية والصراعات الدولية.
1978.. كامب ديفيد تفتح بابًا لمسار جديد في الشرق الأوسط
وفي 5 سبتمبر 1978، بدأت في الولايات المتحدة المحادثات التي عُرفت لاحقًا باسم مفاوضات كامب ديفيد بين الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
وكانت المفاوضات تهدف إلى التوصل إلى إطار للتسوية بين مصر وإسرائيل، بعد سنوات من الحروب والصراع.
وبدأت المحادثات في كامب ديفيد في الخامس من سبتمبر، قبل أن تنتهي بعد أيام إلى اتفاقين مهدا الطريق لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979. وتُعد هذه المحطة من أبرز التحولات في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لأنها نقلت العلاقة المصرية الإسرائيلية من المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي مباشر.
وكانت تلك اللحظة امتدادًا لتحول أوسع في المنطقة: الأرض التي استُعيدت بالحرب أصبحت تُبحث أيضًا على طاولة المفاوضات.
1905.. نهاية الحرب الروسية اليابانية
وفي 5 سبتمبر 1905، وُقّعت في الولايات المتحدة معاهدة بورتسموث التي أنهت الحرب الروسية اليابانية، بعد صراع دام نحو عامين وأوقع خسائر بشرية هائلة.
وجرت المفاوضات بوساطة الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، الذي لعب دورًا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
وكانت الحرب لحظة مفصلية في التاريخ الحديث؛ فقد أظهرت أن قوة آسيوية صاعدة، هي اليابان، قادرة على هزيمة قوة أوروبية كبرى، وهو تحول ترك آثارًا عميقة على ميزان القوى العالمي في مطلع القرن العشرين.
1914.. معركة المارن توقف التقدم الألماني
وفي 5 سبتمبر 1914، بدأت معركة المارن الأولى خلال الحرب العالمية الأولى.
كانت القوات الألمانية قد تقدمت باتجاه باريس بعد غزو بلجيكا وشمال فرنسا، لكن القوات الفرنسية والبريطانية شنت هجومًا مضادًا في المنطقة الواقعة شمال شرق باريس، وأوقفت التقدم الألماني.
وأصبحت معركة المارن من المحطات الحاسمة في بدايات الحرب العالمية الأولى، لأنها حالت دون تحقيق ألمانيا نصرًا سريعًا على الجبهة الغربية، ومهدت لتحول الحرب إلى صراع طويل استمر أربع سنوات.
1977.. «فوياجر 1» ينطلق إلى الفضاء
وفي 5 سبتمبر 1977، أطلقت الولايات المتحدة المسبار الفضائي «فوياجر 1» في مهمة علمية أصبحت واحدة من أشهر الرحلات في تاريخ استكشاف الفضاء.
وكان الهدف الأساسي من المهمة دراسة الكواكب العملاقة في النظام الشمسي، قبل أن يتحول المسبار لاحقًا إلى واحدة من أبعد المركبات التي صنعها الإنسان عن الأرض.
وبمرور العقود، أصبح «فوياجر 1» رمزًا لقدرة الإنسان على تجاوز حدود كوكبه، تمامًا كما كانت الاستقلالات السياسية في إفريقيا وآسيا تعبيرًا عن رغبة الشعوب في تجاوز حدود فرضتها عليها الإمبراطوريات.
2021.. انقلاب يعيد غينيا إلى واجهة الأزمات الإفريقية
وفي 5 سبتمبر 2021، شهدت غينيا انقلابًا عسكريًا أطاح بالرئيس ألفا كوندي، بعد أن أعلنت قوات خاصة احتجاز الرئيس والسيطرة على مؤسسات رئيسية في العاصمة كوناكري.
وأعاد الانقلاب إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة: عودة الجيوش إلى المشهد السياسي بعد عقود من ترسيخ مبدأ الحكم المدني.
وجاء الحدث في سياق إقليمي شهد خلال تلك السنوات سلسلة من الانقلابات والأزمات السياسية في غرب إفريقيا.
5 سبتمبر.. يومٌ تختصر فيه إفريقيا قصة البحث عن الدولة
من الرباط سنة 1958، حيث كانت موريتانيا تبحث عن تثبيت شخصيتها السياسية وسط صراع إقليمي، إلى دكار سنة 1960، حيث كانت السنغال تحتفل بميلاد دولتها الجديدة، ثم إلى الكونغو التي كشفت أزمتها المبكرة صعوبة حماية الاستقلال، يمتد خيط واضح في تاريخ إفريقيا الحديثة.
لقد كان الاستقلال بداية الطريق، لا نهايته.
أما خارج القارة، فقد حمل الخامس من سبتمبر محطات أخرى؛ حروب انتهت بمعاهدات، وحروب بدأت من جديد، ومفاوضات حاولت أن تستبدل لغة السلاح بلغة السياسة، ومسبار فضائي تجاوز الحدود التي عرفتها البشرية.
إنها ذاكرة يومٍ واحد، لكنها تروي حكاية عالمٍ ظل يتغير بين الاستقلال والسيادة، والحرب والسلام، والصراع ومحاولات صناعة المستقبل.




