ذاكرة الأيام.. 2 سبتمبر: يومٌ موريتاني على طريق الاستقلال.. ومن أم درمان إلى رواندا

الريادة: ليست كل الأيام متشابهة في دفتر التاريخ؛ فبعضها يمرّ عابرًا، وبعضها يترك خلفه أسئلةً وقراراتٍ وصراعاتٍ تستمر آثارها لعقود. وفي الثاني من سبتمبر، تتقاطع في الذاكرة محطات موريتانية وإفريقية وعربية، تبدأ من أطار، حيث كانت البلاد تخطو خطواتها الأخيرة نحو الدولة المستقلة، وتمتد إلى أم درمان، حيث اصطدمت الدولة المهدية بقوة الاستعمار البريطاني، ثم إلى رواندا، حيث حاول القضاء الدولي أن يمنح ضحايا الإبادة صوتًا بعد سنوات من المأساة.

وفي الخلفية، تحضر محطات أخرى من تاريخ المنطقة؛ من صراعات لبنان إلى مأساة اللاجئين السوريين، لتكشف ذاكرة هذا اليوم عن خيط واحد يصل بين أزمنة مختلفة: الشعوب وهي تبحث عن الاستقلال، والدول وهي تواجه الصراع، والإنسان وهو يحاول النجاة من آثار التاريخ.

1958.. أطار ترسم ملامح موريتانيا القادمة

في 2 سبتمبر 1958، كانت موريتانيا تعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخها السياسي حساسية.

ففي مدينة أطار، اجتمعت اللجنة التنفيذية لحزب التجمع الموريتاني، برئاسة الزعيم الوطني المختار ولد داداه، في اجتماع امتد يومين، 2 و3 سبتمبر، ليبحث موقف البلاد من الاستفتاء الدستوري الفرنسي المرتقب.

لم يكن الأمر مجرد نقاش حزبي عابر؛ فموريتانيا كانت تقف آنذاك عند مفترق طرق.

كانت فرنسا تعمل على إعادة ترتيب علاقتها بمستعمراتها الإفريقية من خلال مشروع المجموعة الفرنسية، فيما كان الوطنيون الموريتانيون يتحركون داخل مساحة سياسية ضيقة، محاولين انتزاع أكبر قدر ممكن من القرار الوطني.

وانتهى اجتماع أطار إلى تأييد التصويت بـ«نعم» في الاستفتاء، مع التشديد على استمرار ارتباط موريتانيا بالمجموعة الفرنسية الإفريقية، مع التمسك في الوقت نفسه بحقها في الاستقلال الوطني.

وبين السطور السياسية لذلك القرار كانت موريتانيا تتحرك نحو مستقبل جديد.

فلم يكن استقلال البلاد قد تحقق بعد؛ لكن فكرة الدولة الوطنية كانت قد أصبحت مشروعًا سياسيًا واضح المعالم.

وبعد ذلك بعامين فقط، في 28 نوفمبر 1960، ستعلن موريتانيا استقلالها.

وهكذا يصبح 2 سبتمبر 1958 واحدًا من التواريخ التي يمكن النظر إليها من مسافة التاريخ باعتبارها جزءًا من الطريق الطويل الذي انتهى بقيام الدولة الموريتانية المستقلة.

1898.. أم درمان.. حين سقطت عاصمة الدولة المهدية

وبعيدًا عن موريتانيا، وعلى ضفاف النيل في السودان، كان الثاني من سبتمبر قبل ستة عقود تقريبًا يحمل ذكرى مختلفة تمامًا.

ففي 2 سبتمبر 1898، دارت معركة أم درمان، إحدى أشهر المعارك في تاريخ السودان الحديث.

كان جيش الدولة المهدية، الذي أصبح قوة سياسية وعسكرية كبيرة في السودان، يستعد لمواجهة قوات بريطانية ومصرية يقودها الجنرال هربرت كتشنر.

دخل الطرفان المعركة في صباح ذلك اليوم، لكن ميزان القوة لم يكن متكافئًا.

فقد امتلكت القوات البريطانية-المصرية مدفعية حديثة ورشاشات وأسلحة نارية متطورة، بينما اعتمد الجزء الأكبر من القوات المهدية على السيوف والرماح والأسلحة التقليدية.

وانتهت المعركة بهزيمة قاسية للقوات المهدية، وسقوط أم درمان، ثم تراجع الدولة المهدية تدريجيًا حتى نهايتها العسكرية في العام التالي.

لكن أم درمان لم تكن مجرد انتصار عسكري بريطاني.

ففي الذاكرة السودانية، ظلت المعركة جزءًا من قصة أطول عن مقاومة الاستعمار ومحاولة السودانيين بناء كيان سياسي مستقل.

ولهذا بقي اسم أم درمان حاضرًا في التاريخ الإفريقي، بوصفه شاهدًا على مرحلة اصطدمت فيها حركات التحرر المحلية بآلة عسكرية استعمارية متفوقة تقنيًا.

1998.. رواندا.. العدالة تصل إلى قاعة المحكمة

وبعد قرن كامل تقريبًا، انتقلت إفريقيا في الثاني من سبتمبر إلى مشهد مختلف تمامًا.

لم تكن المعركة هذه المرة في ساحة مفتوحة، وإنما داخل قاعة محكمة.

في 2 سبتمبر 1998، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا حكمها التاريخي في قضية جان بول أكاييسو، المسؤول المحلي السابق في بلدة تابا.

كان ذلك الحكم نقطة تحول في تاريخ العدالة الجنائية الدولية.

فقد أصبح أكاييسو أول شخص تدينه محكمة دولية بجريمة الإبادة الجماعية، كما شكل الحكم سابقة قانونية مهمة في اعتبار العنف الجنسي، في ظروف معينة، جزءًا من الأفعال التي يمكن أن تدخل في إطار الإبادة الجماعية.

وكانت أهمية الحكم أكبر من اسم المتهم نفسه.

فرواندا كانت لا تزال تحمل جراح الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994، عندما قُتل مئات الآلاف خلال فترة قصيرة.

ومن ثم جاء الحكم ليبعث برسالة مفادها أن الجرائم الكبرى لا ينبغي أن تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، وأن العدالة يمكن أن تأتي، ولو بعد سنوات.

وهكذا، إذا كانت أم درمان تمثل في الذاكرة الإفريقية معركة على الأرض، فإن رواندا تمثل معركة أخرى داخل قاعات المحاكم: معركة ضد الإفلات من العقاب.

2002.. جوهانسبرغ.. إفريقيا تتحدث إلى العالم

وفي جنوب القارة، كان الثاني من سبتمبر 2002 يحمل صورة مختلفة تمامًا.

ففي جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا، كان قادة العالم وممثلو الدول والمنظمات الدولية والمجتمع المدني يجتمعون ضمن القمة العالمية للتنمية المستدامة.

كانت إفريقيا في قلب النقاش.

الفقر، والمياه، والغذاء، والطاقة، والبيئة، والتنمية؛ ملفات تبدو للوهلة الأولى اقتصادية وبيئية، لكنها في القارة الإفريقية مرتبطة مباشرة بحياة ملايين البشر.

وكان انعقاد القمة في جنوب إفريقيا ذا رمزية خاصة.

فالقارة التي عانت طويلًا من الاستعمار والفقر وعدم المساواة أرادت أن تكون جزءًا من صياغة مستقبل العالم، لا مجرد متلقية لقرارات الآخرين.

وكانت جوهانسبرغ تقول، بطريقة مختلفة: إن مستقبل التنمية العالمية لا يمكن أن يُكتب من دون إفريقيا.

2003.. موريتانيا.. السياسة تعود إلى الواجهة

وفي 2 سبتمبر 2003، عادت موريتانيا إلى واجهة الذاكرة السياسية، لكن هذه المرة في سياق مختلف تمامًا عن أجواء الاستقلال.

ففي أعقاب محاولة الانقلاب التي وقعت في يونيو من العام نفسه ضد نظام الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، ظهر على شاشة قناة الجزيرة تسجيل لعدد من قادة المحاولة، معلنين عن تأسيس حركة حملت اسم «فرسان التغيير».

وكان ظهور الحركة محطة جديدة في مسار المعارضة السياسية والعسكرية للنظام آنذاك، وجاء في فترة اتسمت بتوتر سياسي وأمني كبير.

وهكذا، بعد نحو نصف قرن من اجتماع أطار الذي كان يبحث الطريق إلى بناء الدولة الوطنية، ظهر 2 سبتمبر مرة أخرى في الذاكرة الموريتانية، ولكن من بوابة الصراع على السلطة ومستقبل النظام السياسي.

2007.. نهر البارد.. معركة في مخيم اللاجئين

وفي لبنان، كان الثاني من سبتمبر 2007 يحمل نهاية واحدة من أكثر المعارك دموية منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.

ففي ذلك اليوم، أعلن الجيش اللبناني سيطرته على مخيم نهر البارد شمال البلاد، بعد معارك استمرت أكثر من ثلاثة أشهر مع مسلحي تنظيم فتح الإسلام.

كانت المعركة قد وضعت الجيش اللبناني في مواجهة مسلحين داخل مخيم يسكنه لاجئون فلسطينيون، فتحول المكان إلى ساحة قتال، واضطر آلاف المدنيين إلى النزوح.

ومع إعلان نهاية المعارك، لم يكن الانتصار العسكري يعني انتهاء آثار الحرب بالنسبة إلى سكان المخيم.

فالمخيم نفسه تعرض لدمار واسع، وأصبحت إعادة الإعمار وعودة السكان جزءًا من مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا.

2015.. طفل على شاطئ المتوسط.. وصورة تختصر مأساة حرب

وبعد ثماني سنوات، جاء الثاني من سبتمبر بصورة لا تشبه صور الحروب التقليدية.

صورة طفل صغير ملقى على شاطئ تركي.

كان الطفل السوري آلان كردي، في الثالثة من عمره، وقد غرق أثناء محاولة عائلته عبور البحر باتجاه أوروبا.

انتشرت الصورة بسرعة هائلة، وتحولت إلى واحدة من أكثر الصور تأثيرًا في أزمة اللاجئين السوريين.

لم تكن الصورة بحاجة إلى خطاب طويل.

طفل صغير على الشاطئ كان كافيًا ليختصر مأساة ملايين السوريين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة بيوتهم، ومخاطر الرحلات البحرية التي خاضها كثيرون بحثًا عن مكان أكثر أمانًا.

وفي ذلك اليوم، لم تعد أزمة اللاجئين مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية؛ أصبحت وجهًا إنسانيًا يعرفه العالم.

2 سبتمبر.. حين تتجاور ذاكرة الدولة مع ذاكرة الحرب

عند جمع هذه المحطات، تبدو مفارقة الثاني من سبتمبر واضحة.

في موريتانيا، يحمل اليوم ذكرى خطوة سياسية على طريق الاستقلال، ثم يعود بعد عقود ليحمل ذكرى صراع سياسي داخلي.

وفي السودان، يستعيد التاريخ معركة كبرى أسقطت الدولة المهدية وفتحت مرحلة استعمارية جديدة.

وفي رواندا، ينتقل المشهد من الحرب إلى العدالة، في محاولة لمحاسبة المسؤولين عن واحدة من أبشع جرائم القرن العشرين.

وفي جنوب إفريقيا، تظهر إفريقيا وهي تحاول أن تنتقل من ذاكرة الاستعمار والصراعات إلى المشاركة في صياغة أجندة التنمية العالمية.

ثم تأتي لبنان وسوريا لتذكّر بأن الصراعات لا تنتهي دائمًا عند حدود ساحات القتال؛ فقد يكون المدنيون واللاجئون هم من يدفعون الثمن الأكبر.

الثاني من سبتمبر.. ذاكرة الطريق الطويل

ربما لهذا يستحق الثاني من سبتمبر أن يكون أكثر من مجرد تاريخ في التقويم.

إنه يوم يمكن أن نقرأ فيه قصة موريتانيا وهي تبحث عن استقلالها، وقصة السودان وهو يقاوم التوسع الاستعماري، وقصة رواندا وهي تبحث عن العدالة، وقصة إفريقيا وهي تطالب بمكانها في مستقبل العالم، وقصة الإنسان العربي وهو يدفع ثمن الحروب والنزوح.

من أطار إلى أم درمان، ومن كيغالي إلى جوهانسبرغ، ومن نهر البارد إلى شواطئ المتوسط، تتغير الأمكنة والأزمنة، لكن الأسئلة تبقى متقاربة:

كيف تبني الشعوب دولها؟ كيف تحمي استقلالها؟ كيف تتجاوز الحروب؟ وكيف تحفظ ذاكرة ضحاياها؟

تلك هي «ذاكرة الأيام»؛ فالتاريخ ليس مجرد أحداث وقعت وانتهت، وإنما ذاكرة حية تواصل تشكيل حاضر الشعوب، وتترك للمستقبل أسئلة لا تسقط بالتقادم.