
الريادة: في مثل هذا اليوم، التاسع والعشرين من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية والعالمية محطات متعددة من التاريخ، ارتبط بعضها بالصراعات والتحولات السياسية، وبعضها الآخر بالنضال من أجل الحقوق والحريات، والتطورات العلمية والكوارث الطبيعية، في يوم حمل أحداثًا تجاوز تأثيرها حدود اللحظة إلى عقود لاحقة.
ويأتي 29 أغشت في الذاكرة العالمية ضمن أيام شهدت تحولات مهمة في مسارات الشعوب والدول، من عمليات سياسية وعسكرية أثرت في العلاقات الدولية، إلى محطات في تاريخ حقوق الإنسان، وصولًا إلى إنجازات علمية ساهمت في توسيع حدود المعرفة البشرية.
أما في موريتانيا، فيقع هذا التاريخ ضمن مرحلة كانت الدولة الوطنية تشق طريقها وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة، فيما كانت إفريقيا والعالم العربي يعيشان مرحلة حافلة بالصراعات السياسية وحركات التحرر وإعادة تشكيل العلاقات الدولية.
لكن شهرة التاسع والعشرين من أغشت لا ترتبط بحدث واحد؛ فقد سجل هذا اليوم عبر العقود محطات متعددة في السياسة والحرب والعلوم والنضال والحقوق، بعضها أصبح جزءًا من الذاكرة العالمية.
1533.. إعدام إمبراطور الإنكا أتاهوالبا
في 29 أغشت 1533، أُعدم إمبراطور الإنكا أتاهوالبا في مدينة كاخاماركا في بيرو، بعد أسره من قبل قوات الفاتح الإسباني فرانسيسكو بيثارو.
وكان سقوط أتاهوالبا أحد الأحداث المفصلية في الغزو الإسباني لإمبراطورية الإنكا، التي كانت واحدة من أكبر الحضارات السياسية في أميركا الجنوبية قبل وصول الإسبان.
ومثّل إعدامه مرحلة مهمة في انهيار الإمبراطورية، وفتح الطريق أمام التوسع الإسباني في المنطقة وإخضاع أراضٍ واسعة للسيطرة الاستعمارية.
1842.. معاهدة نانكينغ
وفي 29 أغشت 1842، وقعت بريطانيا والصين معاهدة نانكينغ، التي أنهت حرب الأفيون الأولى بين البلدين.
وأجبرت الحرب الصين على تقديم تنازلات كبيرة لبريطانيا، من بينها التنازل عن هونغ كونغ وفتح عدد من الموانئ أمام التجارة البريطانية.
وأصبحت المعاهدة لاحقًا رمزًا لما يعرف في التاريخ الصيني بـ«قرن الإذلال»، إذ شكلت بداية سلسلة من الاتفاقيات التي فرضت على الصين في ظل تفوق القوى الاستعمارية الغربية.
1969.. ليلى خالد تختطف طائرة أميركية
وفي 29 أغشت 1969، نفذت المناضلة الفلسطينية ليلى خالد، إلى جانب رفيقها سليم العيساوي، وهما من عناصر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عملية اختطاف طائرة تابعة لشركة TWA كانت متجهة إلى تل أبيب، في واحدة من أشهر عمليات خطف الطائرات التي ارتبطت بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وكانت الطائرة، الرحلة رقم 840، قد أقلعت من روما في طريقها إلى تل أبيب، قبل أن يسيطر الخاطفان عليها ويجبرا طاقمها على تغيير مسارها والهبوط في العاصمة السورية دمشق.
وبعد هبوط الطائرة، أُخرج الركاب وأفراد الطاقم، ثم جرى تفجير الجزء الأمامي من الطائرة، دون وقوع قتلى في العملية، بينما احتجزت السلطات السورية عددًا من الركاب الإسرائيليين لفترة لاحقة. وتوثق وثائق وزارة الخارجية الأميركية أن ستة إسرائيليين ظلوا محتجزين في دمشق في أعقاب العملية، قبل أن تنتهي أزمة احتجازهم لاحقًا.
وكان الهدف السياسي الذي أعلنت عنه الجبهة الشعبية من هذا النوع من العمليات هو لفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية، وإخراج الصراع من نطاقه الإقليمي إلى دائرة الاهتمام الدولي، مستفيدة من التغطية الإعلامية الواسعة التي كانت تحظى بها عمليات اختطاف الطائرات في تلك الفترة.
وأثارت العملية اهتمامًا دوليًا واسعًا، وأصبح اسم ليلى خالد معروفًا على نطاق عالمي، فيما شكلت العملية إحدى المحطات البارزة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفي ظاهرة اختطاف الطائرات التي تصاعدت خلال أواخر ستينيات القرن العشرين.
وبقيت عملية 29 أغشت 1969 حاضرة في الذاكرة السياسية والإعلامية باعتبارها حدثًا جمع بين الصراع الفلسطيني، والحرب الإعلامية، وتدويل القضية الفلسطينية.
1982.. أول امرأة عربية تفوز بجائزة نوبل للآداب
وفي 29 أغشت 1982، كانت الروائية المصرية نجيب محفوظ قد واصل حضوره المتنامي في المشهد الأدبي العربي والعالمي، قبل أن يصبح لاحقًا أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل للآداب.
ويمثل حضور الأدب العربي في المحافل الدولية إحدى المحطات المهمة في تاريخ الثقافة العربية، حيث ساهم الأدب في نقل قضايا المجتمعات العربية وتحولاتها إلى القراء في مختلف أنحاء العالم.
2005.. إعصار كاترينا يقترب من الولايات المتحدة
وفي 29 أغشت 2005، ضرب إعصار كاترينا سواحل الولايات المتحدة، في واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية تدميرًا في التاريخ الأميركي الحديث.
وأدى الإعصار إلى أضرار هائلة في ولايات ساحل الخليج، وكان لمدينة نيو أورلينز النصيب الأكبر من الكارثة بعد انهيار أجزاء من منظومة الحماية من الفيضانات.
وتسببت الكارثة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتشريد مئات الآلاف، كما كشفت عن أوجه قصور كبيرة في الاستعداد للكوارث والاستجابة للطوارئ.
وأصبح كاترينا لاحقًا مثالًا عالميًا على خطورة الأعاصير والفيضانات، وعلى أهمية التخطيط الحضري وإدارة الأزمات وحماية السكان في المناطق المعرضة للكوارث الطبيعية.
29 أغشت.. يوم تتقاطع فيه السياسة والصراع والعلم
عند جمع محطات التاسع والعشرين من أغشت، تبدو الذاكرة وكأنها تتحرك بين سقوط الإمبراطوريات، وصعود القوى الاستعمارية، والصراعات السياسية، والنضالات الوطنية، وصولًا إلى الكوارث الطبيعية.
ففي القرن السادس عشر، ارتبط اليوم بسقوط إحدى أهم إمبراطوريات أميركا الجنوبية، وفي القرن التاسع عشر كان شاهدًا على اتفاقية أعادت رسم جانب من العلاقات بين الصين والقوى الغربية.
وفي القرن العشرين، حمل 29 أغشت محطة بارزة في تاريخ القضية الفلسطينية، عندما اختطفت ليلى خالد ورفيقها سليم العيساوي طائرة أميركية وحوّلا مسارها إلى دمشق، في عملية هدفت إلى لفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية.
وفي بداية القرن الحادي والعشرين، عاد التاريخ نفسه ليحمل صورة مختلفة تمامًا، مع إعصار كاترينا الذي كشف حجم القوة التي يمكن أن تمتلكها الكوارث الطبيعية أمام المدن والمجتمعات.
التاسع والعشرون من أغشت.. ذاكرة الصراع والتحول
لا يبدو التاسع والعشرون من أغشت يومًا عاديًا في سجل التاريخ؛ فهو يوم اجتمعت فيه الإمبراطوريات والصراعات، والاستعمار وحركات التحرر، والقضية الفلسطينية والإعلام الدولي، والكوارث الطبيعية والتحولات الكبرى.
من إمبراطورية الإنكا في أميركا الجنوبية إلى الصين في مواجهة القوى الغربية، ومن عملية اختطاف الطائرة التي جعلت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الإعلام العالمي، إلى كارثة كاترينا التي هزت الولايات المتحدة، تتعدد قصص هذا اليوم وتختلف ظروفها، لكنها جميعًا تؤكد أن بعض الأحداث تتجاوز لحظتها لتترك أثرًا طويلًا في ذاكرة الشعوب.
إنها ذاكرة الأيام؛ حيث يمكن لتاريخ واحد أن يحمل قصصًا عن الصراع والمقاومة، والاستعمار والتحرر، والسياسة والإعلام، والكوارث والصمود، وأن يذكرنا بأن التاريخ ليس مجرد تواريخ وأسماء، وإنما مسارات إنسانية وسياسية تتقاطع لتصنع حاضر العالم ومستقبله.




