أزمة الكهرباء في نواكشوط.. بين عودة الخدمة وتصاعد المطالب بكشف أسباب الحريقين

الريادة: دخلت أزمة الكهرباء في العاصمة نواكشوط مرحلة جديدة، مع إعلان المجموعة الوطنية لصيانة وتوزيع الكهرباء «صوملك» اكتمال تركيب محطة تحويل بديلة بجهد 33 كيلوفولت، وصلت مساء أمس إلى محطة التوزيع الشمالية المغذية لأجزاء واسعة من نواكشوط الغربية، في خطوة من شأنها تخفيف تداعيات الحريق الذي أصاب المحطة الأصلية.

وأوضحت الشركة أن الفرق الفنية باشرت عمليات فحص الأجهزة والمعدات الجديدة وفق إجراءات السلامة والتشغيل المعتمدة، تمهيداً لإدخالها الخدمة، فيما يتواصل فحص الأجزاء المتضررة من الحريق، إلى جانب لوحات التوزيع بجهد 15 كيلوفولت.

وتتوقع «صوملك» أن تساهم المحطة البديلة، خلال الساعات المقبلة، في تغطية نحو 60% من الحمولة التي كانت تؤمنها المحطة السابقة، مشيرة إلى أن الإجراءات متواصلة لتعويض النسبة المتبقية عبر المحطات الأخرى.

ويأتي هذا التطور في وقت لا تزال فيه أزمة الكهرباء تحظى باهتمام واسع في الأوساط السياسية والإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعد اندلاع حريقين متتاليين في محطتي تحويل بالعاصمة، وما خلفاه من انقطاعات واسعة وتداعيات على الحياة اليومية للسكان، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

وأخذت الأزمة، في ظل اتساع نطاق تداعياتها، اهتماماً مباشراً من أعلى هرم السلطة، حيث تفقد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الأحد، محطة التحويل الفرعية الشرقية في نواكشوط الشمالية، التي تعرضت للحريق، ووقف ميدانياً على حجم الأضرار التي لحقت بها، كما اطلع على سير التدخلات الفنية الجارية لإصلاح الأضرار وإعادة التيار الكهربائي إلى الأحياء المتضررة.

وفي السياق ذاته، قطع الوزير الأول المختار ولد اجاي إجازته السنوية وعاد إلى العاصمة نواكشوط، على خلفية تداعيات الحريقين وما خلفاه من اضطرابات واسعة في خدمة الكهرباء، في خطوة عكست مستوى الاهتمام الحكومي بالملف وضرورة متابعة جهود احتواء الأزمة وتسريع عودة الخدمة.

ويرى متابعون أن زيارة رئيس الجمهورية للمحطة المتضررة، وقطع الوزير الأول إجازته والعودة إلى العاصمة، يعكسان مستوى الاهتمام الرسمي بأزمة الكهرباء وتداعياتها على الحياة اليومية للمواطنين، كما تحمل الخطوتان رسالة مفادها أن الملف يحظى بمتابعة مباشرة من أعلى مستويات الدولة.

ويعتبر هؤلاء أن الحضور الميداني للسلطات في مثل هذه الظروف من شأنه تعزيز ثقة المواطنين، خصوصاً عندما يقترن بإجراءات عملية لتسريع عودة الخدمة، والوقوف على حجم الأضرار والاستماع إلى الفرق الفنية ومتابعة احتياجاتها.

ويضيف المتابعون أن أهمية هذه الخطوات لا تقتصر على بعدها الرمزي، وإنما تكمن أساساً في ما يمكن أن تترتب عليها من قرارات وإجراءات تضمن معالجة الأزمة بصورة مستدامة، سواء من خلال تسريع إصلاح الشبكة، أو تعزيز جاهزيتها، أو الكشف عن أسباب الحريقين وتحديد المسؤوليات، بما يحول دون تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

وبينما تركز «صوملك» على المعالجة الفنية وإعادة الخدمة تدريجياً، يتجه جانب كبير من النقاش العام إلى سؤال آخر لا يقل أهمية عن موعد عودة التيار، وهو: ما الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحريقين، وهل تكشف الحوادث عن اختلالات أعمق في منظومة الكهرباء؟

وقد برزت خلال الأيام الماضية دعوات سياسية وإعلامية إلى إجراء تحقيق يحدد أسباب الحرائق والمسؤوليات المرتبطة بها، مع مطالب بمصارحة الرأي العام بنتائج أي تحقيق يتم إجراؤه.

في هذا الإطار، قال رئيس حزب «جمع» جميل ولد منصور إن حادث الحريق يستدعي التوقف عند أسبابه والتحقيق فيها، مشدداً على أهمية مصارحة الرأي العام ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت وجود فساد أو تقصير أو عمل إجرامي.

كما طالب النائب البرلماني المعارض بيرام الداه اعبيد بتحقيق شامل، متسائلاً عن أسباب الحرائق والمسؤوليات المرتبطة بها، وعن مدى مطابقة المعدات المستخدمة للمعايير، إضافة إلى الملفات المتعلقة بالصفقات والتجهيزات.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، اتخذ النقاش منحى أكثر حدة، حيث ركز عدد من الصحفيين والمدونين على التزامن اللافت بين الحريقين، وعلى طبيعة التجهيزات التي تعتمد عليها شبكة الكهرباء في العاصمة، فيما تداولت أوساط إعلامية ومدنية تساؤلات بشأن جودة المعدات والصيانة والصفقات المرتبطة بتحديث الشبكة.

كما طرحت «الشفافية الشاملة» ادعاءات تتعلق باستخدام كابلات قالت إنها غير مطابقة للمواصفات، وربطت ذلك بصفقات ضمن برامج لتنمية وعصرنة نواكشوط.

غير أن هذه الادعاءات تظل، في غياب نتائج فنية أو قضائية تثبتها، ضمن دائرة الاتهامات والتساؤلات التي تحتاج إلى التحقق، ولا يمكن اعتمادها تفسيراً نهائياً لأسباب الحريقين. كما أن استباق نتائج أي تحقيق وتحويل فرضيات غير مثبتة إلى حقائق قد يربك النقاش العام ويحول دون الوصول إلى الأسباب الفعلية للحادث.

في المقابل، فإن تزامن حريقين في محطتي تحويل خلال فترة زمنية قصيرة يبرر، من الناحية الفنية والإدارية، طرح أسئلة جدية حول إجراءات الصيانة والسلامة، وجودة التجهيزات، ومستوى جاهزية الشبكة للتعامل مع الأعطال الكبرى وخروج إحدى محطاتها الرئيسية عن الخدمة.

ويأتي تركيب المحطة البديلة بجهد 33 كيلوفولت ليقدم حلاً عملياً لتخفيف آثار الأزمة، خصوصاً مع توقع «صوملك» أن تغطي المحطة الجديدة نحو 60% من الحمولة التي كانت توفرها المحطة المتضررة، على أن تتم تغطية النسبة المتبقية عبر المحطات الأخرى.

وتكشف هذه الخطوة في الوقت نفسه عن أهمية وجود بدائل داخل منظومة الكهرباء، وقدرتها على التعامل مع خروج محطة رئيسية عن الخدمة بشكل مفاجئ. كما أن استمرار فحص الأجزاء المتضررة ولوحات التوزيع يعكس أن معالجة آثار الحريق لا تقتصر على تركيب معدات بديلة، وإنما تتطلب التأكد من سلامة بقية مكونات الشبكة قبل إعادة تشغيلها.

ومع بدء احتواء التداعيات الفنية للأزمة، يبدو أن النقاش العام مرشح للانتقال تدريجياً من سؤال «متى تعود الكهرباء؟» إلى سؤال أوسع يتعلق بما حدث فعلاً داخل محطتي التحويل.

فعودة التيار تمثل الأولوية العاجلة بالنسبة للمواطنين، لكنها لن تكون وحدها كافية لإنهاء الجدل، إذ ستظل الحاجة قائمة إلى توضيح أسباب الحريقين، وتحديد المسؤوليات إن وجدت، ومراجعة إجراءات الصيانة والسلامة والجاهزية، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.

وبذلك تبدو أزمة الكهرباء في نواكشوط أمام مسارين متوازيين: مسار فني عاجل عنوانه إعادة استقرار الشبكة وتأمين التغذية الكهربائية، ومسار آخر يرتبط بالشفافية والمساءلة وكشف حقيقة ما حدث.

وفي النهاية، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون فقط في قدرة «صوملك» على إعادة الكهرباء إلى المناطق المتضررة، وإنما أيضاً في قدرة الجهات المعنية على تقديم إجابات مقنعة للرأي العام حول أسباب الحريقين، والإجراءات التي ستتخذ لضمان ألا تتحول حادثة اليوم إلى أزمة متكررة غداً.

إعداد: بلال عالي أعمر لعبيد