
إن الموظف الذي يؤدي مهامه على أحسن وجه هو من يدعم حقا رئيس الجمهورية، والموظف الذي لا يؤدي واجبه هو أشرس معارض لرئيس الجمهورية، معارض له بالممارسة وفي المحصلة النهائية لا بالموقف السياسي. ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن السياسي عموما، وعن المنتخَب خصوصا (بفتح الخاء)، نائبا كان أو عمدة، فالسياسي القريب من المواطن، المعبر عن همومه، الساعي إلى حل مشاكله، هو من يدعم حقا رئيس الجمهورية، والسياسي البعيد عن المواطن وهمومه، فهو في المحصلة والنتيجة معارض لرئيس الجمهورية، حتى وإن نادى من أعماق لبراكنة أو لعصابة أو إنشيري، أو من العاصمة نواكشوط، مطالبا بمأمورية ثالثة أو رابعة أو خامسة.
إن أفضل دعم سياسي للنظام يمكن أن يقدمه مدير شركة الكهرباء مثلا، أو مدير شركة الماء، هو ان يعملا على ان لا تنقطع خدمتا الماء والكهرباء عن المواطن، وأن تصلا إليه على أحسن وجه، وبأفضل جودة ممكنة، وبأسعار مناسبة.
إن تحسين خدمات الماء والكهرباء، وغيرها من الخدمات الأساسية، هو خير للرئيس ونظامه من كل ما يمكن أن يقوم به حزب الإنصاف، بل ومن كل ما يمكن ان تقدمه الأغلبية جمعاء من دعم سياسي للرئيس.
وفي المقابل، فإن تعثر خدمات الماء والكهرباء، وتكرار انقطاعهما، سيؤدي – حتما – إلى سخط المواطن، وسيكون تأثير ذلك السلبي على صورة النظام، أكثر خطورة مما يمكن أن تقوم به المعارضة، حتى وإن اجتمعت عن بكرة أبيها في صعيد واحد، واستمرت في نقد النظام والاحتجاج ضده طوال مأمورية كاملة.
فيا مدير شركة الكهرباء ( يوجد حاليا في لعصابة ونحن في العاصمة نواكشوط يتكرر عندنا انقطاع الكهرباء)، ويا مدير شركة الماء، ويا مديري المستشفيات وكل المؤسسات الحكومية التي تقدم خدمات أساسية للمواطن: أدوا مهامكم على أحسن وجه، وبذلك تكونون قد دعمتم فخامة الرئيس، بأفضل ما يمكن أن تدعموه به.
ادعموا الرئيس بأداء واجبكم الوظيفي على أحسن وجه، فذلك هو الدعم الحقيقي. أما إذا قصرتم في أداء واجبكم الوظيفي فلتعلموا أنكم من أخطر معارضي الرئيس، حتى وإن أطلقتم عشرات المبادرات الداعمة له، وحتى إن دعوتم مطالبين له بمأمورية ثالثة أو رابعة.
لقد سبق لي أن كتبتُ مقالا بهذا المعنى، نُشر في يوم الجمعة 2 سبتمبر 2022 تحت عنوان: ” هؤلاء هم الأكثر خطورة على الأنظمة الحاكمة!”، قد يكون من المهم إعادة نشره هنا، لأنه يشكل تكملة لما سبق، وما سبق مأخوذ هو كذلك من مقال سابق.
نص المقال السابق
من النادر جدا أن يتم الحديث عن المخاطر التي تتعرض لها الأنظمة الحاكمة من داخلها، وجرت العادة أن ينحصر الحديث عن تهديد المعارضة كلما كان هناك حديث عن المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة، وفي ذلك خطأ كبير لأن التجارب أثبتت في الماضي ـ وما تزال تثبت في الحاضر ـ أن من أشد المخاطر التي تهدد الأنظمة الحاكمة هي تلك المخاطر التي تأتي من داخلها.
وإذا ما تحدثنا بشكل مجمل وعام عن الأنظمة الحاكمة، فيمكن القول بأن من يهددون الأنظمة الحاكمة من داخلها يمكن تتبعهم وتحديدهم من خلال الصفات أو المواصفات التالية:
1 ـ كبار الموظفين الذين لا يؤدون المهام الموكلة إليهم، ويتهربون من واجبهم الوظيفي، ولكنهم ـ وللتغطية على فشلهم في أداء واجبهم ـ يبالغون كثيرا في إظهار الولاء الزائف للرئيس؛
2 ـ الموظفون الذين يضعون مصلحتهم الخاصة فوق مصلحة النظام والمصلحة العليا للبلد، ويمكن التعرف على هذا النوع من الموظفين من خلال ثلاثة مؤشرات، وهي: أن أغلب عمليات التعيين والاكتتاب التي يقومون بها في قطاعاتهم لا تخدم القطاع، وإنما تخدم مصالحهم الخاصة؛ وأن الصفقات في القطاعات التي يسيرونها تذهب إلى الأهل والأقارب والأحلاف الضيقة بعيدا عن الشفافية والإجراءات الطبيعية للصفقات؛ وأنهم ينفقون بسخاء على تلميع أنفسهم وقطاعاتهم دون الاهتمام بتلميع صورة النظام بكامله؛
3 ـ الموظفون الذين ينخرطون بقوة في الأحلاف أو اللوبيات المتصارعة داخل الأنظمة الحاكمة، والذين يجعلون في كثير من الأحيان خصوماتهم مع بعضهم البعض، فوق خصوماتهم مع معارضة تلك الأنظمة أو مع أي جهة أخرى يمكن أن تعادي تلك الأنظمة؛
4 ـ الموظفون الذين لا يملكون الكفاءة والأهلية لتأدية المهام الموكلة إليهم، هذا النوع من الموظفين يشكل خطرا مستديما على النظام الحاكم، حتى وإن كان صادق الولاء وشديد الإخلاص للنظام؛
5 ـ الموظفون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا من الإنجازات إلى رصيد الحكومة، أو السياسيون الذين لا يستطيعون أن يضيفوا رصيدا سياسيا للنظام، وإنما يقتاتون فقط من رصيد الرئيس ويسحبون منه باستمرار ودون أية إضافة؛
6 ـ الموظفون الذين يتغنون علنا بشعارات النظام (كتقريب خدمات الإدارة من المواطن مثلا)، ويقومون ببعض الأعمال المسرحية لتأكيد أنهم يقربون خدمات الإدارة من المواطنين، ولكنهم عند أي اختبار جدي يظهر زيف ادعائهم ذلك، وينكشف مدى احتقارهم للمواطنين.
7 ـ الأقارب الذين يستغلون النفوذ لظلم المواطنين أو للحصول على امتيازات خاصة لا يخولها لهم القانون؛
8 ـ الموظفون العاجزون تماما عن اتخاذ زمام المبادرة وإعداد التصورات والخطط، ويكتفون فقط بالتفرج في زمن الكوارث والأزمات؛
9 ـ الموظفون العاجزون عن متابعة أداء العاملين في قطاعاتهم، والعاجزون كذلك عن إيصال مشاكل المواطنين وتقديم النصح الصادق لمن هو أعلى منهم وظيفة ورتبة؛
10 ـ الموظفون العاجزون ـ لأي سبب كان ـ عن تقديم أداء ميداني ملموس في قطاعاتهم، فمثل هؤلاء يشكلون خطرا على النظام الحاكم، حتى ولو شُهِدَ لهم بصدق الولاء والابتعاد عن المال العام. في بعض الأحيان قد يكون الموظف المفسد الذي يمتلك قدرة كبيرة على الأداء، أفضل للنظام من الموظف الذي لا يعتدي على المال العام، ولكنه في الوقت نفسه مكبل الأيادي وعاجز ـ كل العجز ـ عن تسيير قطاعه.
11 ـ الموظفون المفسدون الذين ينحصر اهتمامهم في البحث عن أسرع الطرق لنهب المال العام، هؤلاء وضعتهم في أسفل اللائحة، لا لقلة خطورتهم على الأنظمة الحاكمة، وإنما لأنني تعمدت أن أختم بهم، لأنهم هم الأشد خطرا على الأنظمة الحاكمة، ولن يقلل من خطورتهم إن هم وُضعوا في أسفل اللائحة.
خلاصة القول
إن كل موظف يحمل صفة أو مجموعة من الصفات المبينة أعلاه يشكل خطرا على النظام الحاكم، وكل ما زاد عدد من يحملون هذه الصفات في أي نظام كلما زادت المخاطر التي تهدد ذلك النظام، وكلما تناقص عدد هؤلاء في أي نظام، كلما كان ذلك مؤشرا قويا على قوة النظام، وعلى قدرته على الصمود في وجه الأزمات والكوارث التي باتت تهدد الكثير من بلدان العالم.
حفظ الله موريتانيا…
محمد الأمين الفاضل.




