ذاكرة الأيام | 14 أغشت.. يومٌ اختارت فيه موريتانيا طريق السلام

الريادة: في مثل هذا اليوم، الرابع عشر من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ البلاد الحديث، حين أعلنت نواكشوط عام 1979 انسحاب قواتها من الصحراء الغربية، وأكدت توجهها نحو الحياد في النزاع، في خطوة أنهت مرحلة عسكرية وسياسية شديدة التعقيد، وفتحت أمام موريتانيا طريقًا جديدًا في علاقاتها الإقليمية والدولية.

ويكتسب الرابع عشر من أغشت أهمية خاصة في تاريخ الجمهورية؛ فقد جاء الإعلان بعد سنوات من الحرب التي دخلتها موريتانيا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وما ترتب عليها من خسائر عسكرية واقتصادية وضغوط سياسية متزايدة.

وفي 14 أغشت 1979، أبلغت الحكومة الموريتانية الأمم المتحدة بإعلان نواكشوط، معلنة قرارها الانسحاب من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في الصحراء الغربية ابتداءً من اليوم التالي، ومؤكدة رغبتها في اعتماد الحياد إزاء النزاع.

1979.. موريتانيا تنسحب من الحرب

لم يكن إعلان 14 أغشت قرارًا منفصلًا عن السياق السياسي الذي كانت تعيشه البلاد، بل جاء تتويجًا لمسار من التحولات العميقة التي أعقبت الإطاحة بالرئيس المختار ولد داداه في يوليو 1978.

وكانت موريتانيا قد دخلت حرب الصحراء الغربية سنة 1975، بعد اتفاق مدريد وتقاسم إدارة الإقليم مع المغرب، لتجد نفسها في مواجهة عسكرية مع جبهة البوليساريو.

ومع استمرار الحرب، بدأت تكلفتها تتجاوز القدرات الاقتصادية والعسكرية للبلاد، فيما أصبحت مدن الشمال ومناطق التعدين والمناجم عرضة للتهديد والهجمات.

وأمام هذا الوضع، اتجهت السلطة الجديدة في نواكشوط إلى إعادة النظر في السياسة السابقة، وصولًا إلى اتفاق السلام الموريتاني الصحراوي في الجزائر في 10 أغشت 1979، ثم إعلان نواكشوط في 14 أغشت الذي أُبلغت به الأمم المتحدة.

من الحرب إلى الحياد

كان الإعلان الموريتاني بمثابة انتقال من سياسة الانخراط العسكري المباشر إلى سياسة تقوم على الانسحاب وعدم التورط في النزاع.

وأكدت موريتانيا للأمم المتحدة أن اتفاق الجزائر وإعلان نواكشوط يشكلان أساسًا لحيادها في نزاع الصحراء الغربية، كما طلبت احترام هذا الوضع وضمان سلامة أراضيها واستقلالها.

وكان القرار يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري؛ فقد كانت موريتانيا بحاجة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، وإعادة بناء اقتصادها، وتقليص الضغوط التي فرضتها الحرب على الدولة والمجتمع.

وهكذا أصبح الرابع عشر من أغشت تاريخًا تختصر فيه مرحلة كاملة من التحول في السياسة الموريتانية: من المشاركة في الحرب إلى البحث عن السلام والحياد.

1979.. مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية

لم يكن الانسحاب من الصحراء الغربية نهاية لتداعيات الحرب، بل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات بين موريتانيا وجيرانها.

فبعد إعلان الحياد، أعادت نواكشوط ترتيب علاقاتها الإقليمية، واستعادت علاقاتها الدبلوماسية مع الجزائر في 14 أغشت 1979، في سياق سياسي جديد كانت فيه البلاد تحاول تثبيت قرارها المستقل والخروج من تداعيات الحرب.

كما أن انسحاب موريتانيا من الجزء الذي كانت تديره من الصحراء الغربية أدى إلى تغيرات ميدانية وسياسية كبيرة، إذ دخل المغرب لاحقًا إلى المناطق التي انسحبت منها موريتانيا.

وبذلك لم يكن قرار 14 أغشت مجرد انسحاب عسكري، وإنما كان إعادة رسم لموقع موريتانيا في واحدة من أكثر قضايا المنطقة تعقيدًا.

1947.. باكستان تولد من رحم التقسيم

وعلى الصعيد الدولي، يحمل الرابع عشر من أغشت ذكرى استقلال دولة أصبحت لاحقًا واحدة من أكبر دول العالم الإسلامي.

ففي 14 أغشت 1947، حصلت باكستان على استقلالها عن بريطانيا، في إطار تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين، باكستان والهند.

وأصبح محمد علي جناح أول حاكم عام للدولة الجديدة، فيما تولى لياقت علي خان رئاسة الحكومة.

وكان الاستقلال بداية مرحلة تاريخية جديدة، لكنه جاء وسط واحدة من أكبر عمليات الهجرة الجماعية في القرن العشرين، إذ انتقل ملايين المسلمين والهندوس والسيخ بين المناطق التي أصبحت تابعة للهند وباكستان.

وهكذا ارتبط 14 أغشت في الذاكرة الباكستانية بميلاد دولة جديدة، لكنه ارتبط أيضًا بواحدة من أكثر عمليات التقسيم السياسي إثارةً للجدل والألم في التاريخ الحديث.

1945.. العالم يسمع خبر استسلام اليابان

وفي 14 أغشت 1945، أعلنت اليابان قبولها شروط الاستسلام التي فرضها الحلفاء، لتقترب الحرب العالمية الثانية من نهايتها.

وفي ذلك اليوم، سُجل خطاب الإمبراطور هيروهيتو الذي سيُبث إلى الشعب الياباني في اليوم التالي، معلنًا قبول اليابان شروط إعلان بوتسدام.

وكان الإعلان إيذانًا بنهاية واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ البشرية، بعد ست سنوات من القتال الذي امتد عبر أوروبا وآسيا وإفريقيا والمحيط الهادئ.

ومع استسلام اليابان، بدأ العالم الانتقال من زمن الحرب العالمية إلى زمن جديد اتسم بصعود قوتين عظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وبداية تشكل نظام دولي جديد.

1941.. روزفلت وتشرشل يضعان تصورًا لعالم ما بعد الحرب

وفي 14 أغشت 1941، وقع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ما عُرف بـالميثاق الأطلسي، الذي وضع مجموعة من المبادئ المتعلقة بالنظام الدولي بعد انتهاء الحرب.

وتضمن الميثاق أفكارًا تتعلق بعدم السعي إلى توسيع الأراضي، واحترام حق الشعوب في اختيار شكل الحكم الذي تعيش في ظله، ورفض التغييرات الإقليمية التي لا تتوافق مع إرادة الشعوب.

وبعد سنوات قليلة، ستصبح مبادئ من هذا النوع جزءًا من النقاش الذي رافق إنشاء الأمم المتحدة والنظام الدولي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية.

وهكذا، يلتقي 14 أغشت في محطتين متباعدتين: إعلان استقلال دولة جديدة في آسيا، وإعلان مبادئ لعالم جديد كان لا يزال يعيش حربًا عالمية.

1935.. بداية نظام الضمان الاجتماعي الأميركي

وفي الولايات المتحدة، شهد الرابع عشر من أغشت 1935 توقيع الرئيس فرانكلين روزفلت على قانون الضمان الاجتماعي.

وأنشأ القانون نظامًا اتحاديًا للمعاشات التقاعدية، إلى جانب برامج للتأمين ضد البطالة، في سياق تداعيات الكساد الكبير.

ومع مرور العقود، تحول نظام الضمان الاجتماعي إلى واحد من أبرز مكونات منظومة الحماية الاجتماعية في الولايات المتحدة، وأصبح توقيع القانون محطة مهمة في تاريخ السياسات الاجتماعية الأميركية.

1969.. الجنود البريطانيون يدخلون أيرلندا الشمالية

وفي 14 أغشت 1969، أرسلت بريطانيا قواتها إلى أيرلندا الشمالية، بعد تصاعد أعمال العنف السياسي والطائفي.

وكان انتشار القوات بداية عملية عسكرية عُرفت باسم Operation Banner، واستمرت عقودًا، لتصبح جزءًا من واحدة من أكثر الأزمات السياسية والأمنية تعقيدًا في التاريخ البريطاني الحديث.

وقد ارتبطت تلك المرحلة بما عرف لاحقًا باسم The Troubles، قبل أن تفضي التحولات السياسية واتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 إلى مسار مختلف نحو إنهاء الصراع.

1971.. البحرين تعلن استقلالها

وفي 14 أغشت 1971، أعلنت البحرين استقلالها عن بريطانيا، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الخليجية.

وجاء الاستقلال ضمن موجة أوسع من إعادة ترتيب العلاقات بين بريطانيا ومستعمراتها ومحمياتها السابقة في الخليج، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تحولات سياسية كبيرة.

وبعد استقلال البحرين، ستشهد منطقة الخليج خلال السنوات التالية تحولات متسارعة، من بينها قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 وانضمامها إلى المنظومة الدولية كدولة مستقلة.

2010.. الشباب يدخلون الأولمبياد

وفي سنغافورة، انطلقت في 14 أغشت 2010 أول دورة للألعاب الأولمبية للشباب، بمشاركة رياضيين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عامًا.

ومثلت الدورة تجربة جديدة في الحركة الأولمبية، لم تركز فقط على المنافسة الرياضية، وإنما سعت أيضًا إلى التعليم والتبادل الثقافي وتشجيع الشباب على تبني القيم الرياضية.

وأصبحت ألعاب الشباب الأولمبية منذ ذلك التاريخ جزءًا من أجندة الحركة الأولمبية الدولية، مع إقامة دورات صيفية وشتوية لاحقة.

14 أغشت.. يومٌ تتقاطع فيه الحرب والاستقلال والسلام

وهكذا يجمع الرابع عشر من أغشت بين محطات مختلفة في التاريخ، لكنها تلتقي حول قضايا كبرى مثل الحرب والسلام، والاستقلال، والسيادة، وإعادة بناء الدول.

وفي موريتانيا، يستعيد اليوم قرارًا تاريخيًا بالانسحاب من حرب الصحراء الغربية، وإعلان التوجه نحو الحياد، في مرحلة كانت البلاد تحاول فيها الخروج من واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخها الحديث.

وفي آسيا، يحمل ذكرى استقلال باكستان، وفي أوروبا يستعيد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية مرحلة جديدة من النظام الدولي، بينما يرتبط في الولايات المتحدة ببداية نظام الضمان الاجتماعي، وفي البحرين بذكرى الاستقلال.

إنها صور مختلفة ليوم واحد؛ بعضها وُلد من الحرب، وبعضها من الاستقلال، وبعضها من البحث عن السلام وبناء الدولة.

14 أغشت.. تاريخ يذكّر بأن الدول قد تصل إلى مفترق طرق، وأن قرار الانسحاب من الحرب قد يكون في بعض اللحظات بداية لمرحلة كاملة من إعادة بناء الدولة وترتيب علاقاتها ومصالحها.

إنها ذاكرة الأيام؛ حيث لا يكتفي التاريخ بتسجيل ما حدث، بل يترك وراء كل تاريخ سؤالًا عن الخيارات التي اتخذتها الشعوب والدول، وعن الثمن الذي دفعته في سبيل السلام والاستقلال وبناء المستقبل.