ذاكرة الأيام | الـ9 أغشت.. محطة من تاريخ الجمهورية

الريادة: في مثل هذا اليوم، التاسع من أغشت، تستعيد الذاكرة الموريتانية واحدة من المحطات السياسية البارزة في سنوات الجمهورية الأولى، حين أعيد انتخاب الرئيس المؤسس المختار ولد داداه لولاية رئاسية ثالثة، في مرحلة كانت فيها الدولة الموريتانية الحديثة تخطو خطواتها الأولى نحو ترسيخ مؤسساتها وبناء نموذجها السياسي والاقتصادي المستقل.

ويكتسب هذا التاريخ أهميته من موقعه في مسار الجمهورية الأولى؛ فقد جاءت إعادة انتخاب ولد داداه عام 1971 بعد نحو عقد من الاستقلال، وفي وقت كانت فيه البلاد تدخل مرحلة جديدة من إعادة تنظيم الحياة السياسية وتعزيز حضور الدولة وتوسيع علاقاتها الخارجية، قبل أن تعرف التجربة لاحقًا تحولات عميقة انتهت بسقوط نظام ولد داداه في انقلاب عسكري عام 1978.

1971.. ولد داداه لولاية رئاسية ثالثة

في التاسع من أغشت 1971، أعيد انتخاب المختار ولد داداه رئيسًا للجمهورية لولاية ثالثة، بالتزامن مع انتخابات تشريعية شهدت تجديدًا في تركيبة الجمعية الوطنية، وفق التسلسل الزمني الذي أورده معهد البحوث والدراسات حول العوالم العربية والإسلامية.

وتشير مصادر انتخابية إلى أن الانتخابات الرئاسية والتشريعية جرت في تلك الفترة ضمن نظام سياسي كان قد انتقل منذ سنوات إلى صيغة الحزب الواحد، حيث كان حزب الشعب الموريتاني القوة السياسية الوحيدة المهيمنة على الحياة العامة. وتورد بعض المراجع تاريخ الاقتراع في 8 أغشت بدل 9 أغشت، وهو اختلاف توثيقي يستحق التنبيه عند تناول هذه المحطة.

ولم تكن إعادة انتخاب ولد داداه مجرد استحقاق رئاسي عابر، بل جاءت في سياق سياسي كانت ملامحه تتشكل بصورة متسارعة، بعد أن قطعت موريتانيا خلال سنواتها الأولى أشواطًا في بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد القوى السياسية، وإعادة صياغة علاقتها بالقوى الخارجية، مع محاولة الانتقال من مرحلة تثبيت الاستقلال إلى مرحلة بناء الدولة الوطنية بمؤسساتها واقتصادها وخياراتها السياسية.

وكان ولد داداه قد تولى رئاسة الجمهورية للمرة الأولى عام 1961، بعد انتخابه رئيسًا للبلاد في أعقاب إقرار دستور ذي نظام رئاسي. ثم أعيد انتخابه لولاية ثانية في 7 أغشت 1966، قبل أن يصل إلى ولايته الثالثة في انتخابات 1971.

من بناء الدولة إلى إعادة تشكيل الحياة السياسية

جاءت انتخابات 1971 في وقت كانت فيه السلطة الموريتانية تعمل على إعادة ترتيب مؤسسات الدولة والحزب الحاكم، في ظل نقاشات داخلية حول طبيعة النظام السياسي ودور الشباب والنخب الجديدة في إدارة البلاد.

وقبل الانتخابات بأسابيع، كان حزب الشعب الموريتاني قد عقد مؤتمرات استثنائية في نواكشوط بين يوليو وأغشت 1971، تناولت جملة من القضايا السياسية والتنظيمية، من بينها الانفتاح على الكوادر الشابة، وإضفاء قدر من الديمقراطية داخل الحزب، وتعزيز التنسيق بين العمل الحزبي والعمل الحكومي والإداري.

وبذلك جاءت إعادة انتخاب ولد داداه في سياق محاولة لإعادة تنظيم بنية السلطة السياسية، وإدخال وجوه وطاقات جديدة إلى مؤسسات الدولة والحزب.

وبعد أيام قليلة من الانتخابات، شهدت الحكومة بدورها تغييرًا لافتًا؛ ففي 19 أغشت 1971 جرى تعديل وزاري أتاح دخول عدد من الكفاءات الشابة والتكنوقراط إلى الحكومة، في خطوة عكست توجهًا نحو تجديد النخبة الإدارية والسياسية.

مرحلة تبحث عن استقلال القرار الاقتصادي

ولم تكن السياسة وحدها تشهد تحولات في تلك المرحلة، إذ كانت موريتانيا تتحرك تدريجيًا نحو توسيع هامش استقلال قرارها الاقتصادي.

ففي مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت البلاد قد بدأت ترسم خيارات اقتصادية أكثر استقلالًا، في وقت كانت فيه الدولة تسعى إلى تعزيز سيطرتها على مواردها وثرواتها، وإعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية مع الخارج.

وسيصل هذا المسار بعد ذلك إلى محطات مفصلية، أبرزها إنشاء العملة الوطنية الأوقية عام 1973، وإنهاء ارتباط موريتانيا بمنطقة الفرنك، ثم تأميم شركة ميفرما في 1974 وتحويلها إلى الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم». وهي خطوات ستصبح لاحقًا من أبرز عناوين مرحلة بناء الاقتصاد الوطني وتعزيز السيادة على الموارد.

كما كانت موريتانيا تعمل على توسيع علاقاتها الدولية، حيث شهدت الفترة نفسها انفتاحًا على دول وقوى خارج الدائرة التقليدية للعلاقات الفرنسية، من بينها الصين، التي وقعت مع موريتانيا اتفاقات للتعاون الاقتصادي والفني في أبريل 1971.

انتخابات في نظام الحزب الواحد

وتكشف انتخابات 1971، في الوقت نفسه، عن طبيعة النظام السياسي الذي كانت موريتانيا قد استقرت عليه آنذاك.

فبعد الاستقلال، سعت القوى السياسية الموريتانية إلى توحيد صفوفها، واندمجت الأحزاب الموجودة في حزب الشعب الموريتاني الذي أصبح لاحقًا الحزب الوحيد المسموح له بالعمل السياسي.

وبالتالي، فإن إعادة انتخاب ولد داداه عام 1971 لم تأت في إطار تنافس انتخابي متعدد المرشحين بالمعنى المعروف اليوم؛ فقد كان النظام السياسي قد اتجه نحو توحيد المجال الحزبي، وأصبح حزب الشعب الموريتاني إطارًا سياسيًا جامعًا ومهيمنًا على الحياة السياسية. وتظهر البيانات الانتخابية المتاحة أن ولد داداه خاض الانتخابات الرئاسية دون منافس، بينما فاز الحزب نفسه بمقاعد الجمعية الوطنية.

وهذه الخصوصية تجعل قراءة انتخابات 1971 مرتبطة بطبيعة النظام السياسي في الجمهورية الأولى، أكثر من ارتباطها بمفهوم التنافس الانتخابي كما استقر في مراحل لاحقة من تاريخ موريتانيا.

محطة في مسار الجمهورية الأولى

مثلت الولاية الثالثة بداية مرحلة جديدة في مسار حكم المختار ولد داداه، الذي سيواصل قيادة البلاد حتى الإطاحة به في انقلاب عسكري في يوليو 1978.

وخلال السنوات التي أعقبت انتخابات 1971، اتخذت موريتانيا قرارات كبرى أعادت رسم موقعها الاقتصادي والدبلوماسي، كان من أبرزها إصدار العملة الوطنية، والانضمام إلى جامعة الدول العربية، وتأميم ميفرما، ثم الانخراط في ملف الصحراء الغربية وما ترتب عليه من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية.

وهكذا، فإن التاسع من أغشت 1971 لا يستعيد مجرد تاريخ إعادة انتخاب رئيس، بل يستعيد لحظة كانت فيها الجمهورية الموريتانية تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا من تاريخها؛ مرحلة انتقلت فيها من تثبيت الدولة الوليدة إلى محاولة بناء اقتصاد وطني مستقل، وتوسيع خياراتها الخارجية، وإعادة تشكيل مؤسساتها السياسية.

في العالم.. ناغازاكي وذاكرة الحرب النووية

وعلى الصعيد الدولي، يحمل التاسع من أغشت واحدة من أكثر الذكريات مأساوية في تاريخ القرن العشرين. ففي 9 أغشت 1945، ألقت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على مدينة ناغازاكي اليابانية، بعد ثلاثة أيام من قصف هيروشيما.

وقع الانفجار عند الساعة 11:02 صباحًا، ودمر أجزاء واسعة من المدينة، مخلفًا أعدادًا هائلة من القتلى والجرحى، فيما استمرت آثار الإشعاع والأمراض المرتبطة بالقصف لعقود. وتصف الأرشيفات الأميركية قصف هيروشيما وناغازاكي بأنه أول استخدام للأسلحة الذرية ضد البشر، وأن القصفين أسهما في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبقي التاسع من أغشت منذ ذلك الحين أحد الأيام التي تستحضر فيها البشرية مخاطر الحرب النووية، وتحولت ناغازاكي إلى رمز عالمي للدعوة إلى السلام ونزع السلاح النووي.

1942.. الهند تطلق «اتركوا الهند»

وفي التاسع من أغشت 1942، دخلت حركة استقلال الهند مرحلة حاسمة مع انطلاق حركة «اتركوا الهند» التي قادها حزب المؤتمر الهندي بزعامة المهاتما غاندي، مطالبة بإنهاء الحكم البريطاني.

وكان المؤتمر قد أقر في 8 أغشت قرارًا يدعو بريطانيا إلى مغادرة الهند، قبل أن تعمد السلطات البريطانية في اليوم التالي إلى اعتقال غاندي وعدد كبير من قادة الحركة. وأدى الاعتقال إلى اندلاع احتجاجات واسعة وأعمال عصيان مدني في مناطق مختلفة من البلاد، لتصبح الحركة واحدة من أبرز محطات النضال التي سبقت استقلال الهند عام 1947.

1965.. سنغافورة تصبح دولة مستقلة

وفي التاسع من أغشت 1965، انفصلت سنغافورة عن ماليزيا وأعلنت قيام جمهورية مستقلة ذات سيادة.

وكانت سنغافورة قد دخلت الاتحاد الماليزي عام 1963، قبل أن تتفاقم الخلافات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتنتهي التجربة بالانفصال. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت الدولة الجديدة رحلة بناء مختلفة، ستقودها خلال عقود قليلة إلى التحول إلى مركز اقتصادي وتجاري عالمي. وتؤكد المصادر الرسمية السنغافورية أن 9 أغشت 1965 هو تاريخ استقلال الجمهورية.

1974.. نهاية رئاسة نيكسون

وفي الولايات المتحدة، أصبح التاسع من أغشت 1974 تاريخًا مفصليًا في الحياة السياسية الأميركية، عندما استقال الرئيس ريتشارد نيكسون من منصبه على خلفية فضيحة ووترغيت.

دخلت الاستقالة حيز التنفيذ في الساعة 11:35 صباحًا، ليصبح نائب الرئيس جيرالد فورد رئيسًا للولايات المتحدة. وكان نيكسون أول رئيس أميركي يستقيل من منصبه، في واحدة من أبرز أزمات الحكم والمساءلة السياسية في تاريخ الولايات المتحدة.

التاسع من أغشت.. صفحة موريتانية في ذاكرة العالم

وهكذا، يمنح التاسع من أغشت موريتانيا محطة خاصة في سجلها السياسي، باعتباره اليوم الذي أعيد فيه انتخاب المختار ولد داداه لولاية رئاسية ثالثة عام 1971، في مرحلة كانت البلاد خلالها تعيد ترتيب مؤسساتها السياسية وتبحث عن استقلال أكبر في قرارها الاقتصادي والدبلوماسي.

وبالنظر إلى ما تلا ذلك من أحداث، تبدو انتخابات 1971 جزءًا من مرحلة تأسيسية طويلة في تاريخ الجمهورية الأولى؛ مرحلة شهدت بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الحزب الواحد، وتوسيع العلاقات الخارجية، ثم اتخاذ قرارات اقتصادية وسيادية كبرى، قبل أن تدخل البلاد لاحقًا في مسار سياسي مختلف تمامًا.

أما في الذاكرة العالمية، فيظل التاسع من أغشت مرتبطًا بناغازاكي، وحركات التحرر، واستقلال سنغافورة، وأزمات الحكم الكبرى؛ وهي محطات، على اختلاف سياقاتها، تجعل من هذا اليوم صفحة مفتوحة على أسئلة الدولة والسلطة والاستقلال والحرب والسلام.

إنها ذاكرة الأيام؛ حيث لا يكتفي التاريخ بتسجيل ما حدث، بل يترك وراء كل تاريخ سؤالًا عن أثره في الحاضر، وعن المسارات التي فتحتها لحظات بعينها أمام الشعوب والدول.