
الريادة: في مثل هذا اليوم، الثامن من أغشت، تفتح ذاكرة العالم صفحات من الحروب والتحولات السياسية والاكتشافات العلمية، بينما يحتل هذا التاريخ في الذاكرة الموريتانية موقعًا قريبًا من واحدة من أكثر المحطات السياسية إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث، بعد الانقلاب العسكري الذي وقع في السادس من أغشت 2008 وأطاح بأول رئيس منتخب ديمقراطيًا في موريتانيا.
ويُعد الثامن من أغشت واحدًا من الأيام التي تختصر تناقضات التاريخ؛ ففيه تتقاطع أخبار الحروب مع لحظات التحول السياسي، وتلتقي الإنجازات العلمية بقصص الصراع الإنساني، بينما تكشف بعض الأحداث كيف يمكن لأزمة سياسية أن تنقل بلدًا بأكمله من مسار إلى آخر.
وفي موريتانيا، تعود الذاكرة في هذه المناسبة إلى 6 أغشت 2008، عندما أطاح انقلاب عسكري بالرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، بعد نحو عام ونصف فقط من وصوله إلى السلطة في انتخابات اعتُبرت أول تجربة لانتقال ديمقراطي حقيقي للسلطة في البلاد.

وكان الانقلاب بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز، الذي كان يتولى قيادة كتيبة الأمن الرئاسي، وكان واحدًا من أربعة جنرالات أصدر الرئيس ولد الشيخ عبد الله قرارًا بإقالتهم صباح السادس من أغشت. وبعد ساعات، تحركت وحدات عسكرية واعتقلت الرئيس ورئيس وزرائه يحيى ولد أحمد الواقف، وسيطرت على مؤسسات الدولة والإذاعة والتلفزيون، وأعلنت تشكيل المجلس الأعلى للدولة برئاسة الجنرال محمد ولد عبد العزيز.
وشكّل الانقلاب قطعًا لمسار تجربة ديمقراطية ناشئة، إذ كان ولد الشيخ عبد الله قد وصل إلى الرئاسة في مارس 2007 بعد انتخابات رئاسية شهدت تنافسًا واسعًا، وانتهت بانتقال السلطة من نظام عسكري انتقالي إلى رئيس مدني منتخب. وكانت تلك المرحلة قد منحت موريتانيا فرصة لبناء مؤسسات سياسية قائمة على التداول السلمي للسلطة، بعد سنوات من الحكم العسكري.

وفي 8 أغشت 2008، أي بعد يومين من الانقلاب، بدأت ردود الفعل الدولية تتبلور بصورة أكثر وضوحًا، حيث دعت جهات حقوقية ودولية إلى إعادة السلطة إلى الحكومة المدنية المنتخبة واحترام الدستور، في وقت كانت فيه البلاد قد دخلت مرحلة جديدة من الحكم العسكري.
ولم يكن انقلاب 2008 حدثًا معزولًا في التاريخ السياسي الموريتاني، فقد جاء بعد ثلاث سنوات فقط من انقلاب 2005 الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع. وبعد انقلاب 2005، قاد المجلس العسكري مرحلة انتقالية انتهت بتنظيم انتخابات وتسليم السلطة إلى رئيس مدني منتخب، قبل أن ينقطع ذلك المسار بانقلاب 2008.

وعلى الصعيد الدولي، شهد 8 أغشت 1967 تأسيس رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان»، بعد توقيع إعلان بانكوك من قبل خمس دول هي إندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايلاند وسنغافورة، في خطوة أرست إطارًا إقليميًا للتعاون والسلام والتنمية.
وفي التاريخ العسكري، يرتبط 8 أغشت 1945 بإعلان الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان، في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وبدء هجومه على القوات اليابانية في منشوريا، وهو تطور ساهم في تسريع نهاية الحرب في المحيط الهادئ.
وفي اليوم نفسه من عام 1945، وُضع الإطار القانوني لمحاكمات نورمبرغ، التي شكلت لاحقًا محطة بارزة في تاريخ العدالة الدولية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
أما في مجال الطيران، فقد شهد 8 أغشت 1908 أول عرض أوروبي علني لطائرة الأخوين ويلبر وأورفيل رايت في فرنسا، في محطة مهمة ساعدت على إقناع الجمهور والدوائر العلمية بأن الطيران بمحرك أصبح واقعًا قابلًا للتطوير، فاتحةً الطريق أمام ثورة كبرى في عالم النقل والمواصلات.
وفي 8 أغشت 1974، أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون استقالته من منصبه على خلفية فضيحة ووترغيت، ليصبح أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يستقيل من الرئاسة، في واحدة من أبرز لحظات المساءلة السياسية في التاريخ الأمريكي الحديث.
وهكذا يبقى الثامن من أغشت يومًا تتقاطع فيه ذاكرة العالم مع ذاكرة موريتانيا؛ ففي الوقت الذي يستحضر فيه العالم محطات من الحروب والتحولات السياسية والعلمية، تستعيد موريتانيا في هذه الأيام ذكرى مرحلة مفصلية بدأت بانقلاب 6 أغشت 2008 بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز، وأوقفت تجربة الحكم المدني التي بدأت بانتخاب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، لتفتح فصلًا جديدًا من تاريخ البلاد السياسي.
إنها ذاكرة تؤكد أن الأيام لا تُقاس فقط بما وقع فيها، وإنما بما تركته أحداثها من آثار على مستقبل الشعوب، وأن مسار الديمقراطية، كما أثبتت التجربة الموريتانية، يمكن أن يتغير جذريًا في لحظة سياسية واحدة.




