الضابط المتقاعد بين الامتيازات والحريات.. قراءة في مشروع القانون 028-26

مبنى الجمعية الوطنية

الريادة: تتجه أنظار الأوساط السياسية والقانونية إلى مشروع القانون رقم 028-26، المقرر عرضه أمام الجمعية الوطنية غداً الأربعاء، لما يحمله من تغييرات جوهرية في تنظيم العلاقة بين الدولة وكبار قادة المؤسسة العسكرية بعد مغادرتهم الخدمة الفعلية.

 فالنص الجديد لا يقتصر على إعادة ترتيب الوضعيات القانونية للضباط السامين، بل يؤسس لمقاربة مختلفة تقوم على تمديد بعض الالتزامات العسكرية إلى ما بعد التقاعد عبر استحداث ما يسمى بـ”الاحتياط الثاني”، بما يعكس توجهاً نحو مأسسة الارتباط القانوني والمؤسسي بين الضابط والمؤسسة العسكرية حتى بعد مغادرته الخدمة.

ومن هذا المنطلق، تسعى هذه القراءة إلى استكشاف الفلسفة القانونية التي يقوم عليها المشروع، وقراءة انعكاساته المحتملة على وضعية الضباط السامين بعد انتهاء خدمتهم الفعلية، من خلال تفكيك المعادلة التي يرسمها بين الامتيازات المرتبطة بالوضع العسكري ومتطلبات الحرية المدنية، وما قد يترتب على ذلك من تحولات في علاقة العسكريين المتقاعدين بالشأن العام.

ويعيد المشروع تعريف مفهوم الاحتياط المنصوص عليه في المادة 22، إذ ينتقل به من وظيفته التقليدية المرتبطة بحالات التعبئة والطوارئ إلى إطار أوسع ينظم وضعية الضباط بعد التقاعد.

 وبموجب الصيغة المقترحة، يُقسم الاحتياط إلى مرحلتين متتاليتين؛ احتياط أول يمتد لخمس سنوات يعقبه احتياط ثانٍ، الأمر الذي يُبقي الضابط، من الناحية القانونية، تحت تصرف السلطات المختصة لفترة طويلة قد تمتد عملياً إلى أجل غير محدد.

كما تنص المادة 46 على سريان القانون على المتقاعدين الحاليين والمسرحين، وهو ما يمنح النص أثراً مباشراً على أوضاع قانونية قائمة ويعيد رسم حدود العلاقة بين هذه الفئة والدولة.

ويطرح المشروع، في المقابل، معادلة قانونية دقيقة تقوم على الموازنة بين الامتيازات والقيود. فاستعادة الضابط لكامل حريته المدنية والسياسية تظل مرتبطة بإجراءات خاصة تتطلب موافقة رئيس الجمهورية، مع ما قد يترتب على ذلك من فقدان بعض الامتيازات المرتبطة بوضعية الاحتياط.

ومن هذا المنطلق، يرى متابعون أن النص يؤسس لصيغة تجعل استمرار الاستفادة من الامتيازات المادية والاعتبارية مقروناً باستمرار الالتزامات الخاصة بالمؤسسة العسكرية، بينما تعتبره جهات أخرى إطاراً قانونياً يضمن المحافظة على الروابط المهنية والمعنوية بين الضباط المتقاعدين ومؤسستهم الأصلية.

ويتجاوز المشروع المفهوم التقليدي للسر المهني والالتزامات العسكرية، إذ يوسع من نطاق واجب التحفظ ليشمل التعليق العلني على القضايا العسكرية والأمنية، كما يفرض قيوداً على بعض الأنشطة السياسية والعامة، ويشدد إجراءات التعامل مع الوثائق والمعلومات ذات الصلة بالمؤسسة العسكرية.

كما يتبنى صياغات تتجاوز مفهوم السر العسكري في معناه التقليدي المرتبط بالخطط والوثائق والتجهيزات، لتشمل مفاهيم أكثر اتساعاً مثل المحافظة على الروح المعنوية للمؤسسة العسكرية وصون هيبتها وضمان الولاء للجمهورية.

ويلاحظ في هذا السياق أن بعض المصطلحات الواردة في النص، من قبيل “المساس بالروح المعنوية” أو “الإضرار بهيبة المؤسسة العسكرية”، تفتح مجالاً واسعاً للتأويل القانوني، وهو ما يمنح السلطات المختصة هامشاً كبيراً في تقدير طبيعة المخالفات وحدودها.

ويرى منتقدو المشروع أن هذه الصياغات قد تسمح بتكييف بعض المواقف أو التصريحات السياسية والإعلامية باعتبارها إخلالاً بالالتزامات المفروضة على الضباط الموجودين في وضعية الاحتياط، بما قد يترتب عليه من عقوبات تأديبية أو فقدان بعض الامتيازات المرتبطة بهذه الوضعية.

وإذا كان مؤيدو المشروع يرون فيه استجابة لمتطلبات الأمن القومي وضرورة تحصين المؤسسة العسكرية من التجاذبات السياسية، فضلاً عن المحافظة على سرية المعلومات المرتبطة بالشأنين الأمني والعسكري في ظل التحولات التي يشهدها الفضاء الإعلامي والرقمي، فإن منتقديه يذهبون إلى أنه قد يحد من قدرة الضباط السامين المتقاعدين على الانخراط في الحياة العامة والسياسية، أو التأثير في النقاش العمومي مستفيدين من رصيدهم المهني والرمزي.

كما يرون أن المشروع يسعى إلى إحكام الضبط القانوني للخطاب الصادر عن النخب العسكرية السابقة ومنع تسرب المعطيات أو الشهادات المرتبطة بكواليس القرار الأمني والعسكري إلى المجال العام.

وبين هذين المنظورين، يبدو أن مشروع القانون رقم 028-26 لا يقتصر على كونه تعديلاً تقنياً لوضعيات الاحتياط، بل يعكس توجهاً أوسع لإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة العسكرية ومنتسبيها السابقين، من خلال منظومة قانونية تمتد آثارها إلى ما بعد التقاعد.

وفي حين يقدم المشروع نفسه باعتباره أداة لحماية الأمن القومي وضمان حياد المؤسسة العسكرية، فإنه يثير في الوقت ذاته نقاشاً متزايداً حول حدود التوفيق بين متطلبات الانضباط العسكري وحقوق المواطنة الكاملة بعد انتهاء الخدمة.

ومع اقتراب موعد مناقشة المشروع تحت قبة الجمعية الوطنية، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي سيعيد بها رسم موقع الضابط المتقاعد داخل الفضاء العام، وإلى ما إذا كان سيؤسس لعلاقة جديدة تقوم على استمرار الالتزامات العسكرية مقابل المحافظة على الامتيازات المرتبطة بها، أم أنه سيفتح الباب أمام جدل قانوني وسياسي أوسع حول حدود الحريات المدنية للعسكريين السابقين في الدولة الحديثة.