
الريادة: وجه وزير الاقتصاد والمالية السابق، السيد أحمد ولد أبوه، انتقادات حادة للسياسات الاقتصادية والمالية الحالية في موريتانيا. محذراً من غياب التنسيق بين مفاصل السياسة الاقتصادية للبلد، ومؤكداً أن القرارات الحكومية الأخيرة قد تلغي بعضها البعض وتنسف الجهود المبذولة في مجال الحماية الاجتماعية.
جاء ذلك في قراءة تحليلية نشرها ولد أبوه بصفته الشخصية كمهتم بالشأن الاقتصادي، تعقيباً على سلسلة تدوينات نشرها الوزير الأول. المختار ولد أجاي، على صفحته الشخصية حول الوضع الاقتصادي والمشاريع التنموية في البلاد.
وفي تفكيكه للخيارات المتاحة لمواجهة الأزمة، قارن ولد أبوه بين إستراتيجيتين:
- الأولى: مراجعة برمجة المخصصات الميزانوية (خاصة في التسيير والهوامش التجارية للمحروقات والتخلي عن بعض الرسوم البترولية). لتسقيف أسعار الوقود والوقاية من التضخم حمايةً للقدرة الشرائية، معتبراً أن الدولة “ملاذ ورب بيت للجميع. وقت الأزمات وليست منشأة خاصة همها التوازن المحاسبي”.
- الثانية: خلق الظروف التحفيزية للتضخم ثم السعي خلف تبعاته. محذراً من أن البلاد تجاوزت عتبة التضخم الصحي (2%) لتصل إلى 3% في أبريل الماضي (بنسبة انزلاق سنوي بلغت 7.6%)، متوقعاً تجاوزها حاجز 8% بنهاية العام الحالي.
وانتقد الوزير الأسبق غياب التنسيق بين السياسة النقدية والمالية، مستغرباً قيام البنك المركزي برفع سعر. الفائدة بـ 50 نقطة أساس ليصل إلى 6.5% في 18 مايو الماضي لاحتواء التضخم، لتقوم الحكومة بعد أسبوعين فقط بزيادة أسعار. الوقود وبرمجة توزيعات نقدية وصفقات ستسدد في جزء كبير منها بالعملة الصعبة، مما قد ينسف الاحتياطيات الخارجية ويضعف قيمة الأوقية.
وفي رده على تساؤل الوزير الأول المختار ولد أجاي بشأن “أسباب الانتظار طويلًا لزيادة الطاقة التخزينية للمشتقات البترولية”. أرجع ولد أبوه الأمر بوضوح إلى “الفساد، وغياب الرؤية، وعدم الاكتراث بمستقبل الشعب”.
كما سجل ولد أبوه ما وصفه بـ”التناقض والتقصير” في سرد المشاريع الممولة ذاتياً من الدولة، مذكراً بأن أكبر . مشروع تمويل ذاتي عرفته البلاد هو إعادة بناء “طريق الأمل” (نواكشوط – النعمة) بطول 870 كلم وبتكلفة بلغت. 140 مليار أوقية (348 مليون دولار) في عهد رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، معتبراً أن إغفال ذكره قد يعود لكونه أُنجز قبل استلام الوزير الأول لمهامه الحالية.
كما أثار الوزير الأسبق عدة إشكالات منهجية في تسيير المشاريع، من أبرزها:
- مشروع تنمية نواكشوط: تساءل عن أسباب زيادة كلفة المشروع بأكثر من 10 مليارات أوقية، مذكراً بالقانون. الذي يفرض إلغاء الصفقات قبل إسنادها إذا تجاوزت العروض التكلفة المتوقعة في الميزانية.
- مشروع تنمية الولايات (230 مليار أوقية): أوضح أنه مشروع يمتد على 30 شهراً حتى نهاية 2027، وأن جل أنشطته. كانت مدرجة في الخطط القطاعية، متهماً الحكومة بـ”سحب الصلاحيات من الوزراء ومركزتها عند الوزير الأول عبر آلية اللجان الوزارية التي تجاوزت 300 لجنة في عامين”.
- المشروع التكميلي لنواكشوط (100 مليار أوقية): وصف الإعلان عنه في وقت الأزمة بـ”المستفز”، معتبراً أن فترات الأزمات ليست للإنفاق على “مساحيق التجميل وطلاء الواجهات”، بل لحفظ النفوس ومحاصرة التضخم، مشيراً إلى أن دراسات حديثة أثبتت أن كل نقطة تضخم تنسف 0.1% من النمو الاقتصادي.
وفي المحور الأخير، وصف ولد أبوه تكرار مصطلح “السيادة المالية” بأنه “مناورة ديماغوجية لا تحترم عقول الناس”، مؤكداً أن هذا المصطلح لا وجود له في أدبيات الاقتصاد الحديث منذ القرن التاسع عشر في ظل الاقتصاد المفتوح.
وأوضح أن كبريات اقتصاديات العالم كأمريكا (بدين عمومي يبلغ 39 تريليون دولار وبنسبة 120% من الناتج الإجمالي) وفرنسا (بنسبة 125%) لا تملك سيادة مالية مطلقة.
وأضاف أن موريتانيا، كغيرها من الدول، لا تملك عملياً ثرواتها الطبيعية بشكل كامل لغياب الموارد والخبرات التقنية، وتعتمد على تحصيل نسب تعاقدية محدودة وضرائب من الشركات العالمية المستثمرة.
واختتم ولد أبوه قراءته بالدعوة إلى توخي الحذر من السياسات غير المدروسة، ومؤكداً على ضرورة تصحيح الاختلالات البنيوية في توزيع الثروة، والاستثمار في رأس المال البشري والبنى الإنتاجية المستدامة لخلق تحول اقتصادي حقيقي.




