
بين أواخر تسعينيات القرن العشرين ومطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، اتسمت العلاقة بين نواكشوط وأشرم بطابع تكاملي لم يكن معلنًا بقدر ما كان متجذرًا في توزيع الأدوار داخل البناء الوطني. فلم تكن العلاقة قائمة على مفاضلة بين الحضر والريف أو بين الغنى والفقر، بل انبنت على اختلاف المواقع والوظائف التي اضطلع بها كل طرف ضمن النسق العام للدولة. فقد مثلت نواكشوط مركز الثقل السياسي والإداري، حيث يُنتج القرار، وتُدار الموارد العمومية، وتتشكل شبكات النفوذ والتأثير. في المقابل، جسّدت أشرم، ضمن المجال الأوسع لـبلدية السدود، فضاءً بيئيًا اجتماعيًا حافظ على وظيفة إعادة إنتاج شروط الحياة الأساسية خارج ضغط السوق المركزي، مستندةً إلى توازن تقليدي بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، وإلى منظومة تضامن محلية ضمنت قدرًا معتبرًا من الاستقرار والاستمرارية.
تميزت الفترة الممتدة من 1998 إلى حدود 2006 بانتظام نسبي في التساقطات المطرية على مستوى ولاية تگانت عمومًا وبلدية السدود خصوصًا، وهو انتظام لم يكن مجرد حدث مناخي عابر، بل كان شرطًا بنيويًا لاستقرار نمط اقتصادي معيشي متكامل قوامه الزراعة المطرية والرعي وتخزين المياه في السدود الصغيرة.
هذا الاستقرار البيئي أتاح استمرار اقتصاد قائم على الاكتفاء المحلي، تتداخل فيه أنشطة الزراعة الموسمية مع حركة القطعان، وتتوازن فيه أنماط الإنتاج والاستهلاك دون ارتهان مباشر لتقلبات السوق الوطنية.
في هذا السياق، لم تكن الثروة الحيوانية مجرد أصل اقتصادي قابل للبيع، بل كانت رصيدًا اجتماعيًا يحدد المكانة ويعزز التحالفات ويؤمن شبكة أمان جماعية، حيث يتجسد التضامن في الإقراض العرفي للماشية، وفي التكافل أثناء الأزمات، وفي حضور قيم الكرم والنجدة كآليات ضبط اجتماعي فعالة.
خلال تلك المرحلة، يمكن الحديث عن نمط من الرفاه غير النقدي، رفاه يستند إلى الأمان الغذائي ووفرة الموارد الطبيعية واستقرار العلاقات الاجتماعية، لا إلى مستوى الدخل أو حجم الاستهلاك. كانت الحياة في أشرم وبلدية السدود محكومة بإيقاع الفصول، حيث تحدد الأمطار مواعيد الحرث والبذر والحصاد، ويشكل الموسم الزراعي محور الدورة الاجتماعية بأكملها.
كانت المجالس التقليدية تضطلع بدور محوري في تسوية النزاعات، وكانت الأسرة الممتدة تمثل الإطار الرئيسي للحماية الاجتماعية، وكانت المعرفة الزراعية والرعوية تنتقل عبر الممارسة اليومية بين الأجيال.
في المقابل، كانت نواكشوط تعيش تسارعًا ديمغرافيًا واضحًا، مع توسع عمراني سريع وارتفاع في الاعتماد على الوظيفة العمومية والاقتصاد المرتبط بالدولة. ورغم ما وفرته العاصمة من فرص تعليم وخدمات وإمكانية ولوج إلى دوائر القرار، فإنها شهدت أيضًا بوادر هشاشة حضرية تمثلت في الاكتظاظ، وظهور أحياء ضعيفة البنية التحتية، وتزايد البطالة المقنّعة، وتراجع قوة الروابط القرابية لصالح علاقات أكثر فردانية وتنافسية.
كانت “العودة إلى أشرم” في مواسم الأمطار تمثل فعلًا اجتماعيًا ذا حمولة رمزية عميقة، إذ يتجاوز الأمر مجرد زيارة عائلية إلى استعادة معنى الانتماء وتجديد العلاقة بالأرض.
في تلك العودة كانت تُرمم الذاكرة الجمعية، وتتجدد الروابط بين الأجيال، ويستعيد الفرد إحساسه بالمكان بوصفه امتدادًا لهويته لا مجرد موقع جغرافي. لذلك بدت أشرم آنذاك مركزًا معنويًا، حتى وإن لم تكن مركزًا إداريًا أو اقتصاديًا، بينما ظلت نواكشوط ضرورة عملية أكثر منها قدرًا وجوديًا.
غير أن هذا التوازن بدأ يتصدع ابتداءً من النصف الثاني من العقد الأول للألفية، مع تراجع انتظام الأمطار وتقلص الموسم الزراعي وضعف المراعي. لم يكن التحول البيئي معزولًا عن السياق السياسي والاقتصادي، بل تزامن مع تعمق تمركز الموارد والفرص في العاصمة، ما أعاد تشكيل العلاقة بين الفرد والمكان.
ومع كل موسم جفاف، كان الاقتصاد المعيشي يفقد جزءًا من قدرته على الصمود، ومع كل موجة هجرة شبابية نحو نواكشوط كانت شبكات التضامن التقليدية تتآكل تدريجيًا. تحولت أشرم من فضاء إنتاج واستقرار إلى فضاء انتظار وترقب، ومن نقطة جذب موسمية إلى محطة عبور نحو المدينة، بينما أصبحت نواكشوط أكثر اكتظاظًا وأشد ضغطًا على بنيتها التحتية والاجتماعية.
بحلول 2010، لم تعد الفوارق بين نواكشوط وأشرم قائمة على تمايز واضح في نمط الحياة بقدر ما أصبحت فروقًا في الدرجة داخل دائرة هشاشة أوسع. فالمدينة تواجه ضغوط البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع التضامن التقليدي، والريف يواجه هشاشة بيئية واقتصادية ناتجة عن الجفاف وضعف الاستثمار المحلي.
وعلى مستوى الدوائر السياسية، ظل القرار متمركزًا في العاصمة، حيث تتشكل التحالفات وتوزع الموارد، بينما بقيت بلدية السدود وأشرم في موقع المتلقي للسياسات أكثر من كونها شريكًا في صياغتها، ما عمّق الشعور بالتهميش وأضعف المبادرات المحلية المستقلة.
إن ما اندثر بين 1998 و2010 لم يكن مجرد انتظام مناخي أو نمط إنتاج تقليدي، بل كان نسقًا متكاملًا يمنح لكل من المركز والهامش وظيفة محددة داخل الكل الوطني. كانت نواكشوط تمثل مجال الدولة والقرار والفرص الإدارية، وكانت أشرم تمثل مجال التوازن البيئي والاجتماعي والمعنوي.
ومع اختلال البيئة وتعاظم المركزية، فقد الطرفان جزءًا من تكاملهما الوظيفي، ليجد الإنسان المحلي نفسه اليوم أمام واقع تتشابه فيه ضغوط العيش سواء أقام في العاصمة أو في بلدية السدود، واقع تحكمه الندرة والمنافسة وتراجع الاستقرار البنيوي، بعد أن كان المجالان يتكاملان في توزيع الأدوار وتبادل المنافع ضمن نسق أكثر توازنًا.




