الريادة: في إطار أنشطته الشهرية الدائمة «نقاشات حول التعليم في موريتانيا»، نظم مركز الدراسات والأبحاث التربوية، بالتعاون مع الاتحادية الوطنية لرابطات أولياء التلاميذ والطلاب، مساء السبت 27 دجمبر 2025، بقاعة المحاضرات بمركز بلدية لكصر، ندوة علمية متخصصة تحت عنوان: «تعليم اللغة العربية في عصر الرقمنة: تحديات الابتكار وفرص التطوير».
وقد شكلت هذه التظاهرة العلمية فضاءً حيوياً واستثنائياً جمع نخبة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين والمهتمين بالشأن التربوي، إضافة إلى ممثلين عن الهيئات التعليمية العليا ومنظمات المجتمع المدني ولفيف من الإعلاميين والمثقفين، في سعي حثيث وتشاركي لتسليط الضوء على مستقبل لغة الضاد وموقعها في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة والثورة الرقمية التي يعيشها العالم المعاصر.
افتُتحت فعاليات الندوة بأجواء روحانية من خلال تلاوة آيات عطرة من الذكر الحكيم، أعقبتها كلمة تأطيرية شاملة لنائب رئيس المركز، استعرض فيها بوعي ومسؤولية أهداف هذه السلسلة من النقاشات الشهرية، مؤكداً أن المركز يضع ضمن أولوياته القصوى مواكبة التحولات التربوية المعاصرة وتقديم رؤى علمية رصينة تساهم بفعالية في النهوض بالمنظومة التعليمية الوطنية وتطوير أدواتها.
وفي ذات السياق، ركز نائب رئيس الاتحادية الوطنية لرابطات أولياء التلاميذ والطلاب في كلمته على الأبعاد التشاركية والاجتماعية في العملية التربوية، مبرزاً بوضوح أن أي إصلاح حقيقي للتعليم لا يمكن أن يحقق غاياته الكبرى دون تنسيق وثيق وشراكة فاعلة ومستديمة بين المؤسسات البحثية والفاعلين الميدانيين والأسرة، بوصفهم جميعاً حجر الزاوية في عملية بناء الأجيال وتحصين الهوية الوطنية.
وضماناً لتراكمية الجهد البحثي والربط المعرفي بين أنشطة المركز، قدم المقرر العام تقريراً مفصلاً حول مخرجات الندوة السابقة، مستعرضاً أبرز التوصيات العملية والخطوات الإجرائية التي تم تبنيها لتطوير الأداء التعليمي، وهو ما يعكس جدية هذه المنصة التربوية في تحويل السجالات النظرية إلى تراكم منهجي يستفيد منه أصحاب القرار والمهتمون بالحقل التربوي في البلاد.
ومن شأن هذا الاستعراض المنهجي أن مهد الطريق لانطلاق المحاضرة الرئيسة التي غاصت بعمق في إشكالات عصرنة لغة الضاد، عبر تشخيص دقيق وواقعي لواقع تعليم اللغة العربية في ظل الزحف الرقمي، وما يفرضه من ضرورة ملحة لمراجعة المناهج الحالية، وتجاوز طرائق التدريس التقليدية التي باتت تصطدم بعقبات جمة أمام تطلعات الجيل الرقمي الجديد.
إلى جانب ذلك، استفاض المحاضر والمشاركون في تحليل دقيق لمجمل التحديات التكنولوجية والمنهجية التي تواجه كلاً من المدرس والمتعلم في البيئة الرقمية، مشددين على أن الرهان الحقيقي يكمن في التكوين المستمر وتحديث الكفاءات لمواكبة الوسائط التقنية الحديثة.
وشملت المداخلات استعراضاً واسعاً لفرص الابتكار الواعدة التي تتيحها التقنيات المعاصرة، مثل المنصات التعليمية الذكية والتطبيقات التفاعلية، ودورها الجوهري في تحسين اكتساب المهارات اللغوية وجعل التعلم أكثر جاذبية وتأثيراً. وفي السياق ذاته، شدد المجتمعون على حتمية تعزيز حضور اللغة العربية في الفضاء السيبراني، لا كمستهلك فحسب، بل كمنتج أصيل لمحتوى تعليمي وعلمي رصين يدعم مكانتها العالمية ويحفظ كيانها في وجه العولمة الرقمية.
وعلى وقع نقاشات مفتوحة اتسمت بالصراحة والموضوعية، اختُتمت الندوة بمداخلات ثرية أغنت الموضوع بتجارب ميدانية وقصص نجاح، دعت في مجملها إلى تسريع تحديث المنظومة التربوية لتكون أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات العصر.
وقبل التقاط الصور التذكارية التي وثقت الحدث، شهدت القاعة لحظة احتفائية بتوزيع العدد الأول من مجلة المركز، وتوزيع استمارات استطلاع رأي لتدوين ملاحظات الجمهور، في خطوة تهدف إلى تكريس نهج الديمقراطية التربوية وإشراك الجميع في صياغة الرؤى المستقبلية لتعليم اللغة العربية في موريتانيا، بما يضمن استدامة هذا العطاء العلمي وتطوير أدواته في المحطات القادمة.