
الريادة: بعد أكثر من شهر على الهجوم الإسرائيلي، لا يزال الإيرانيون يعيشون حالة من الجمود اليومي، وسط تداعيات نفسية واجتماعية واقتصادية تُثقِل حياتهم، ويعجزون عن استعادة نمطهم الطبيعي، بينما يكافح كثيرون منهم من أجل حاضرٍ بلا أفق، وفق ما تنقله وسائل إعلام فرنسية.
وبينما باتت مشاعر القومية تعلو لدى الغالبية العظمى من الشعب الإيراني، وفي حين يعتمد النظام الحاكم على الشرعية الدينية، تُظهر دراسة أنّ أغلبية الإيرانيين اليوم يُريدون فصل القوانين عن الدين، وهي علامة على تحوّل عميق في المُجتمع، بحسب الكاتب والمحلل السياسي الفرنسي فرغان أزيهاري.
خشية من القمع
في سياق من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي الكبير، فإنّ الإيرانيين، الذين أصيبوا بصدمة بسبب الحرب مع إسرائيل، يخشون الآن من القمع الداخلي الوشيك. فبعد شهر من “حرب الاثني عشر يوماً” يُخيّم على المُجتمع الإيراني الخوف من هجمات أخرى، ومناخ خانق من عدم اليقين.
وهناك دلائل واضحة على أنّ تراجع الحريات المدنية بدأ بالفعل: اعتقالات جماعية، وترحيل مُهاجرين أفغان مُتّهمين بالتجسس، وتشديد إجراءات التفتيش الأمني في المدن، وقطع الإنترنت. ومنذ بداية الحرب، تمّ التشويش على أنظمة تحديد المواقع (GPS) في جميع أنحاء البلاد لمنع الإسرائيليين من تتبع تحركات مسؤولي النظام. لكنّ هذا الإجراء يُؤثّر بالطبع على ملايين الإيرانيين في تنقلاتهم حياتهم اليومية.
وتنقل يومية “ليبراسيون” الفرنسية عن عدد من الشباب الإيراني وصفهم للحالة النفسية الصعبة التي يعيشونها مؤكدين أنّ صدمة الحرب مُرهقة، وأنّ الأشياء باتت تفقد معناها، وهذا المناخ والشعور الجماعي يدفع العديد من الشباب الذين لم يُفكّروا جدياً في مُغادرة بلادهم إلى البحث الآن عن مخرج يائس.
صعود القومية واستغلالها!
يُلاحظ مُراقبون، أنّ الحرب التي شلّت المُجتمع الإيراني، سياسياً واقتصادياً، كشفت، قبل كلّ شيء، عن حدود الطموحات الإقليمية للجمهورية الإسلامية. وفي ذات الوقت فإنّ الخطب والأناشيد في الاحتفالات والمناسبات لم تعد في غالبيتها دينية، بل وطنية، تُركّز على إيران “إنّه تحوّل واضح لنظام قضى 46 عاماً يُعلي من شأن الهوية الدينية على الشعور الوطني” يقول الإيراني مهرداد، مُخرج أفلام وثائقية.
لكنّ “هذه مُجرّد استراتيجية مؤقتة، وليست تغييراً دائماً” كما يُحلل آخرون، مُعتقدين أنّ النظام يستغل القومية التي أعقبت الحرب لتثبيت مكانته. ولأنّه لم يتمكن من الرد بفعالية على إسرائيل، فسوف يُحوّل إحباطه قريباً ضدّ شعبه. لذا فإنّ المخاوف تتصاعد في إيران اليوم من حملة قمع وشيكة على نطاق واسع بعد اعتماد مشروع قانون بعنوان “تشديد العقوبات على الجواسيس”. ويدعو المُتشددون علناً إلى عمليات تطهير وإعدامات جماعية بحق من يُشك في وجود علاقة لهم مع إسرائيل.
الكثير من البائعين، ولا مُشترين
كان للحرب أيضاً عواقب وخيمة على الاقتصاد الإيراني. بعد الحرب، أعادت العديد من الشركات فتح أبوابها، لكنّها سرعان ما سرّحت بعض موظفيها. ومع إغلاق المجال الجوي الإيراني بالكامل، تكبدت شركات الطيران ووكالات السفر خسائر فادحة. كما فقد حوالي 150 صحفياً وظائفهم بسبب القيود المالية.
وتمر بورصة طهران بواحدة من أسوأ الفترات في تاريخها. فقد توقفت التداولات مع بداية الحرب، وعندما أُعيد فتحها بعد أيّام من وقف إطلاق النار، تدهورت السوق بشدة. وخوفاً من عدم الاستقرار في البلاد، سارع المستثمرون إلى البيع، مما تسبب في انخفاض المؤشر الرئيسي بنسبة 10% في أسبوع. كذلك فقد غادرت مئات الملايين من الدولارات من الاستثمارات الخاصة السوق الإيرانية. ومع كثرة البائعين، وغياب المُشترين، بدأ التدهور يزداد.
ويؤكد محللون اقتصاديون أنّ ضخ الأموال العامة في السوق لمُحاولة الحدّ من التقلّبات لا يُؤدّي إلا إلى زيادة التضخم. كما أنّ التهديدات الإسرائيلية والتحذيرات الأمريكية المُتواصلة ورسائل إنهاء التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية تُفاقم الوضع. وبرأيهم فإنّه لا سبيل لاستعادة الثقة إلا بتخفيف حالة عدم اليقين الحقيقية بشأن المُستقبل السياسي للبلاد، لكنّ إيران على العكس تماماً لا زالت اليوم في حالة من الجمود وعدم اليقين، رسمياً وشعبياً.
التغيير من الداخل
يرى توماس هوفنونج، رئيس القسم الدولي في صحيفة “لا كروا” الفرنسية، أنّه بعد الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، أصبحت الحكومة الإيرانية أكثر هشاشة من أيّ وقت مضى. وبينما “يردّ نظام طهران بالقمع، فإنّ تحرير الإيرانيين يجب أن يأتي أولاً وقبل كلّ شيء من الشعب”. ووفقاً له فإنّ النظام، الذي يُسيطر عليه الحرس الثوري، وفي ظلّ ضعفه المُسبق جراء أزمة اقتصادية غير مسبوقة ومُعارضة شعبية مُتنامية، تجلّت بشكل واضح من خلال حركة “المرأة، الحياة، الحرية” بات يشعر بأنّ الأرض تهتزّ تحت قدميه، لذا وكما هو متوقع، ردّ بتصعيدٍ داخلي.




