
إذا كان العالم الذي يهتز اليوم ويكاد ينفجر وينذر بتغيرات دراماتيكية يتوقع الكثيرون أن تكون سببا في إعادة النظر في نظام العلاقات الدولية وتوازن القوة اللذين كانا سائدين في المئة سنة الأخيرة من عمر العالم أو يكون هذا التأزم الجاري في حال الخطأ من هنا أو هناك سببا في تدمير وخراب الكون خرابا لا يبقي و لا يذر إذا لم يتوفق العالم إلى حلول تعيد إعادة ترتيب أوضاعه سلميا ويعيد تنظيم أسلوب العلاقات الدولية بشكل جديد يضع في الاعتبار تعدد الأقطاب بدل ما كان سائدا من سيادة مطلقة لأمريكا وحلفائها الغربيين.
لقد كان القرن الماضي بدون منازع قرن قيادة أمريكا للعالم الحر وغير الحر فاستمرت الولايات المتحدة تقود العالم طيلة القرن العشرين مسيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال التحكم في أسعار الغذاء زراعة ومشتقاتها ألبان وبروتينات وجميع المواد الأولية نفط ومعادن ثمينة وسيطرة على السياسات النقدية وحركة الرساميل مستخدمة ذراعيها الضاربين، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وإمعانا في السيطرة المالية حررت الدولار من سطوة الذهب ومكانته في ضمان الكتل النقدية للدول فحررته من تبعيته للذهب وجعلته ضامنا لا يحتاج من يضمنه وصار الدولار بذلك عملة للعالم كله وبقبول الجميع حتى الاتحاد السوفياتي وحلفه حلف وارسو كانوا مهمشين وغير مؤثرين في السياسات النقدية وفي حركة رؤوس الأموال والبضائع وغير مؤثرين في مكانة أمريكا المهيمنة على السوق وفي كل مجالات التبادل لقد كان الدولار عملة العالم كله وبه تتحدد قيم السلع والبضائع من زراعة وملابس إلى النفط والذهب والحديد وغير ذلك وبالإضافة إلى ما مثله الدولار، كانت أمريكا تتفوق في إنتاج عدد كبير من السلع والبضائع الخدمية ومن صناعة الآلات الاستراتيجية مرتفعة القيمة فكانت الأولى في الإنتاج الزراعي وفي صناعة السفن والطائرات والسيارات وفي السينما وأدوات المتعة، وكانت سيطرتها شبه كاملة على الإعلام وخدمة الأخبار، فكانت تمتلك إثنتين من خمس وكالات أنباء عالمية الينايتد ابريس، والأيستوتبريس، والوكالتين من الثلاث التي لا تملك لحليفتيها بريطانيا وفرنسا، وفي تطور وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمصورة استمرت السيطرة الأمريكية والغربية على الميديا الإعلامية وكل وسائل التأثير !!
السيطرة في المجال العسكري
وبالإضافة للسيطرة المطلقة على كتل المال والاقتصاد وملكية الشركات الكبرى المعروفة (بالتروستات ) التجمعات المالية و(الكارتيلات) اتحادات الشركات النفطية والصناعية وعلى وسائل الإعلام ووسائل التثقيف والترفيه فإن الولاية المتحدة منذ انخراطها في شؤون العالم عند اشتراكها في الحربين العالميتين الأولى والثانية أصبحت تسيطر على العالم عسكريا بمئات القواعد وعشرات حاملات الطائرات وبأحلاف ومعاهدات واتفاقيات تكبل أكثر الدول وتسخرها لخدمة النفوذ الأمريكي في جميع أنحاء العالم، وسيطرت على سوق بيع السلاح وتوزيعه ولم يستطع وجود الاتحاد السوفياتي الذي امتلك السلاح النووي وامتلك جيشا كان له الفضل في النصر الذي حققه الحلفاء على قوات هتلير، و قد أسس مع حلفائه حلف وارسو في ١٤ مايو ١٩٥٥ ، مقابل الحلف الذي كونته أمريكا حلف النيتو ( حلف شمال الاطلسي ) الذي تأسس ٤ إبريل ١٩٤٩ لم يستطع الاتحاد السوفياتي وحلفه الحد من نفوذ أمريكا إلا في حدود معينة فقد استمرت أمريكا تتحكم بنشاط العالم ترتب وتؤلف وتفرق وتفتت حسب ما تمليه مصالحها ورغم القوة التي تمتع بها الاتحاد السوفياتي وحركة التحرر العالمية والقوة التقدمية لما عرف بعدم الانحياز الإيجابي في كل انحاء العالم فلم تستطع كل تلك القوى الحد من الهيمنة الأمريكية .
الصراع الذي أفضى إلى انفراط عقد الاتحاد السوفياتي وحلف وارصو!
لقد كان الاتحاد السوفياتي مكونا من خمسة عشر جمهورية متحدة في نظام اتحادي أنشأته الثورة البلشفية بقيادة لينين قامت بتكوين كيان من الشعوب التي كانت تتبع الإمبراطورية الروسية التي كانت تمتد من أوروبا إلى آسيا وأثناء الحرب العالمية الثانية وقيام ألمانيا النازية بغزو الاتحاد السوفياتي ونتيجة صمود الاتحاد السوفياتي وانتصاره مع الحلفاء الغربيين اتفق الزعماء المنتصرون أستالين عن الاتحاد السوفياتي وروزفلت عن الولايات المتحدة واتشرشل عن بريطانيا في مؤتمر عقدوه في يالطا في الاتحاد السوفياتي واتفقوا على خريطة للعالم جعلت شرق أوروبا منطقة نفوذ معترف بها للاتحاد السوفياتي فأنشئت جمهوريات اشتراكية في شرق أوروبا وشكلت مع الاتحاد السوفياتي حلف وارسو الذي ظل قبل حله رسميا في يوليو ١٩٩١ في نزاع مع الغرب وحلف النيتو وسمي ذلك النزاع بالحرب الباردة ومر بمراحل كادت تفضي لحرب نووية كأزمتي كوبا و كوريا وتضمن الصراع أحيانا تقدما للحلف الشرقي في بعض بلدان العالم الثالث ، وانتهى الصراع بهزيمة للأتحاد السفياتي وحلفه دون إطلاق نار …
واعتقد الكثيرون أن السبب في انهيار الاتحاد السوفياتي والنظم الاشتراكية في شرق أوروبا سباق التسلح وعجز الاتحاد السوفياتي على متابعة متطلباته الباهظة وهذا خطأ – في نظري- لقد هزم الاتحاد السفياتي وحلفه نتيجة عدد من الأسباب أولها:
١- لعب الإعلام بجميع أنواعه صور الرأس مالية كجنة في الدنيا وصوروا الاشتراكية عبودية وشقاء.
٢- لعب نقص البضائع الكمالية ووسائل الترفيه والسياحة وإظهار الحريات الشكلية دورا في عدم سعادة مواطني البلدان الاشتراكية.
٣- كان للبيروقراطية في تسيير المؤسسات الصناعية والزراعية والخدمية دور في تدني الإنتاجية وعدم توفير ظروف مطمئنة للشعوب في البلدان الشرقية ..
هذه الأمور مجتمعة تسببت في انفجار الوضع في البلدان الاشتراكية
ولقد كانت الحياة في تلك البلدان أسهل وأكثر عدلا وتلبية للمصالح الفعلية للمواطنين مما عليه الحال في البلدان الغربية لقد كان العمل في البلدان الشرقية متوفرا للجميع عكس ما عليه الوضع في الغرب وكان ضمان الصحة والتعليم وتأمين الغذاء والنقل السهل أكثر توفرا في البلدان الاشتراكية!!
لكن ذلك كله نسفته الدعايات الغربية وسممت الأجواء وباستمرار تراكم الضخ الإعلامي لتشويه وشيطنة الأنظمة الاشتراكية وإظهار حركة المال و وسائل الترفيه والتمتع بالرحلات السياحية والمبادرة الفردية وغير ذلك من زخرف الحياة ومتعها حتى انهار الوضع في روسيا وشرق أوروبا .
لقد انفصل عدد كبير من الجمهوريات التي كان يضمها الاتحاد السوفياتي وأصبحت دولا مستقلة وسقطت الأنظمة الاشتراكية دفعة واحدة !!. ولقد كان المفروض انه بإنهاء الاتحاد السوفياتي وحل حلف وارسو وسقوط الاحكام الاشتراكية جميعها في أوروبا لم يبقى سبب وجيه لاستمرار حلف النيتو الذي كون أصلا لضمان الدفاع عن أوروبا في وجه الاتحاد السوفياتي وحلفائه . وحسب المسؤولين الروس فقد تحدث الرئيس الأخير للاتحاد السوفياتي مخائيل غورباتشيوف مع الأمريكيين حول مخاوفه من توسع حلف الناتو نحو الشرق الأوروبي وتعهدوا له ١٩٩١ بعدم تجاوز الحلف لجدار برلين الذي كان بين الألمانيتين قبل وحدتهما لكن الحلف الذي استمر يندفع نحو شرق أوروبا بما فيها بعض الجمهوريات الخارجة عن الاتحاد السوفياتي حتى بلغ عدد الدول الذي يضم ٣٠ دولة بعد أن كان ١٩٩١ يضم فقط ١٦ دولة، جعل الوضع غير معقول!!
حالة روسيا والصين والتغير الذي لابد منه
بعد نهاية حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفياتي ودول ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي ظن الكثيرون وبينهم مثقفون كبار في الشرق والغرب بانتهاء صراع الأقطاب بانتصار حاسم ونهائي للغرب الرأس مالي مثلما رأى “افرانسيس فوكياما” في كتابه نهاية التاريخ وآخرون كثيرون ملؤوا المكتبات بتحليلاتهم وتوقعاتهم باستباب الأمور في الاتجاه الذي رأوه منتصرا لكنهم لم يكونوا دقيقين في رؤيتهم وفي تحليلاتهم .
لقد استطاعت روسيا ذات الثروات الضخمة والأراضي الشاسعة أن تنهض من الركام وتستأنف بناء قوتها الصناعية والزراعية وتجدد وتطور ترسانتها العسكرية وعندما بدأت تتطلع للعب دورها وأخذ مكانتها ارتطمت بواقع حصار صامت لتحالف النيتو يمنع إعطاء فرصة للاعب كروسيا بدأ يبحث عن ما تتيحه قوته من الندية وضرورة المشاركة في تسيير قضايا العالم والتمتع بمكانة يتيحها مستوى قوتها العسكرية وحجمها الاقتصادي بكتلة السلع التي تعرضها من نفط وغاز ومعادن مختلفة، ومن إنتاج زراعي وصناعي وخصوصا في سوق الأسلحة التي تتقدم فيها كثيرا .
لقد وجدت روسيا أنها تحاصر وتكاد تختنق و يتم تطويقها بدول كانت بالأمس جزئا من دولة الاتحاد السوفياتي وحلفائها السابقين، فكانت تلك المشكلة التي منها بدأ ما سيكون سببا في إعادة تسوية الأمور بشكل أكثر عدالة أو الانزلاق والدخول في نفق مظلم يصعب الخروج منه.
إن الذي يظهر من المشكلة بين روسيا والغرب اليوم ليس أكثر مما يظهر من جبل الثلج عندما يكون في البحر، إن المشكلة الأكبر والتي تؤكد عدم إمكان استمرار سيطرة أمريكا والغرب وحلف الناتو على مصائر العالم بعد الآن هو بروز قوة ليس بالإمكان التفوق عليها اقتصاديا وماليا وتكنلوجيا وعسكريا إن بروز الصين كعملاق زاحف في البحار وعبر مختلف القارات بحجم إنتاج وفورة دفق من الاختراعات التكنلوجية والإلكترونية ومن بنى تحتية خارقة للعادة تؤسس لعالم جديد فائق التطور و اختراع أشكالا من الذكاء الاصطناعي عديم المثال ومحققوا تفوقا في كل المجالات والتطور السريع بشكل لا يجاري في حجم الإنتاج وتنوعه وفي اكتساح القارات وكل الأسواق بحجم رساميل غير مسبوق وبمنتجات لا يمكن منافستها في الجودة والرخص !!
إن تطور الصين الذي يهدد بإزاحة الولايات المتحدة عن مكانتها في تزعم العالم اقتصاديا وماليا وفي كل المجالات هو الذي عجل بمحاولة الولايات المتحدة وحلفاءها احتواء روسيا حتى يمكنهم التفرغ لمواجهة الصين .
لقد بدأت العلاقات الصينية الأمريكية ١٩٧٨- ١٩٧٩ كانت محاولة من إمريكا لاستخدام الصين إلى جانبها في صراعها ضد الاتحاد السوفياتي وحلفائه في تلك المرحلة وكانت الصين في مستوى من التخلف والفقر بحيث لم يكن يتوقع أكثر الناس تفاؤلا أن تستطيع التغلب على مشكلاتها وإشباع مليار جائع وتوفير متطلباتهم الصحية والخدمية إن ما حققته الصين في سنوات قليلة يشبه المعجزة فقد نهض العملاق الصيني وأزال فقر مئات الملايين وأدخل الصين في العصر من أوسع الأبواب وتفوق في كل شيء وبنى معامل نووية فاقت ما كان معروفا وغزى الفضاء وملأ البحار سفنا والبر منشآت متعددة الأغراض والتوجهات.
لقد بدأت الصين تخطوا خطوات متسارعة لإزاحة أمريكا التي قادت العالم طيلة القرن الماضي في وقت بدأت أمريكا رغم ضخامتها وسيطرة نظامها المالي وانتشار قواعدها وأساطيلها بدت مترهلة ثقيلة الخطى مشتة التوجهات والاهتمام بين مكانتها في أوروبا التي تتورط فيها الآن بمشاغل تورطها وتورط حلفاءها دون أن تمتلك أدوات القوة الحاسمة وفي الخليج تحاول استمرار إظهار السيطرة وكسب ثقة حلفاء بدأ أكثرهم يلمسون ترددها وخوفها، وفي المنطقة الأكثر أولوية وأهمية عند أمريكا وهي بحر الصين وقواعدها في الباسفيك في مواجهة الصين وكوريا الشمالية ودعم روسيا للدولتين.
ماذا يمكن توقعه؟
إن استمرار سيطرة أمريكا على العالم أصبحت في حكم المنتهية مهما كانت تطورات الأحداث فلن يستطيع هذا الغرب الذي عبد واستغل ونهب وفتت وشتت في كل القارات وتسبب في أهوال ومآس شاب لها رأس الوليد والذي كان له دور في أكثر أحداث وكوارث القرن الماضي.
نعتقد أنه لن يمكن بعد الآن تسيير مشكلات العالم بعقلية من يبرؤ النمور ويدين الحملان والذي يجرم من لا يخضع له مهما كان نبله وشرفه ويدافع عن عملائه مهما كانت وحشيتهم وبشاعتهم !
والسؤال هو هل سيكون عالم ما بعد هذه الأحداث تعني لهم الحرية والعدالة حقيقة الحرية والعدالة أم أننا سنستمر في نظام الحق للقوة كما رسخ هؤلاء الذين بدأ نجمهم في الأفول؟؟!!
التراد سيدي




