زراعة الأرز في موريتانيا: من توسع الإنتاج إلى ضرورة النهضة الاستراتيجية.م/ لمهابه ولد بَلآل

شهدت زراعة الأرز في موريتانيا تطورا ملحوظا، إذ انتقلت من نمط زراعي تقليدي محدود، قائم أساسا على التعاونيات الزراعية المدعومة من الدولة، إلى زراعة تستقطب كبار المستثمرين ومزارعين يمتلكون القدرة على إنتاج كميات كبيرة، بما جعل البلاد تقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المادة الاستراتيجية.
كما انتقلت زراعة الأرز إلى مرحلة التصنيع، مع انتشار مصانع تقشير الأرز، خاصة في منطقة شمامة ومحيط مدينة روصو، وبذلت الدولة جهودا كبيرة لدعم هذا القطاع، سواء من خلال توفير المدخلات الزراعية والأسمدة، أو مكافحة الآفات، أو دعم التسويق.
ومع ذلك، فإن كل هذه المكتسبات لا تلغي الحاجة إلى استراتيجية جادة وشاملة للنهوض بزراعة الأرز، تعالج الاختلالات القائمة وتؤسس لمرحلة جديدة من التطور والاستدامة.
وقد أطلقت وزارة الزراعة والسيادة الغذائية مؤخرا مسارا لإعداد استراتيجية عشرية في هذا المجال، وبوصفي مهتما بالشأن الزراعي ومراقبا لتطوراته، وبما أن أيضا تكنولوجيا الاتصالات والانتشار الإلكتروني أصبحت منبرا واسعا لتبادل الآراء والنقاشات عن بُعد، وإسهاما مني في إثراء النقاش ورغبة في تزاحم الآراء أرى أن هناك مجموعة من النقاط الفنية والاستراتيجية والتسويقية التي تستحق الاهتمام:

أولا: إصلاح قطاع البذور

يمثل إصلاح قطاع البذور نقطة البداية لأي نهضة حقيقية في زراعة الأرز، من خلال توفير بذور جيدة ومعتمدة، تتلاءم مع الظروف المناخية والتربة المحلية، وتتميز بالإنتاجية العالية ومقاومة الأمراض والآفات.
ويتطلب ذلك تطوير منظومة إنتاج البذور واختيار الأصناف الملائمة للبيئة الموريتانية، وضمان جودتها وتوفرها في الوقت المناسب وبأسعار مناسبة للمزارعين، باعتبار البذور أساسا لرفع الإنتاجية وتحسين جودة المحصول.

ثانيا: تحسين التربة ومكافحة الملوحة والأعشاب الضارة

تحتاج الأراضي المخصصة لزراعة الأرز إلى مزيد من العناية، خاصة في ما يتعلق بإدارة التربة، ومكافحة الملوحة، والحد من انتشار الأعشاب الضارة التي تؤثر في نمو المحصول وإنتاجيته.
ويتطلب ذلك اعتماد أساليب فنية مناسبة، وبرامج منتظمة للمتابعة والإرشاد الزراعي، مع الاهتمام بصيانة الأراضي المستصلحة، ومعالجة المشكلات التي تظهر بعد سنوات من الاستغلال الزراعي، حتى لا تتحول الاستثمارات الكبيرة في الاستصلاح إلى أصول متعطلة أو محدودة الإنتاجية.

ثالثا: تطوير نظام الري والصرف

يعد تنظيم الري وتحسين كفاءته من أهم متطلبات تطوير زراعة الأرز. فالقنوات الترابية تتسبب في تسرب كميات من المياه، وتراكم الرواسب، وانتشار الشجيرات والأعشاب على أطرافها، الأمر الذي يرفع تكاليف الصيانة ويؤثر في كفاءة توزيع المياه.
ومن هنا تبرز أهمية تأهيل قنوات الري وتبطينها بالإسمنت، حيثما تبرر الجدوى الفنية والاقتصادية ذلك، مع دراسة إمكانية تغطية بعض المقاطع للحد من التبخر ونمو الأعشاب، وتطوير أنظمة الصرف بما يساعد على التحكم في الملوحة وتحسين ظروف الإنتاج.
ولا ينبغي أن يقتصر الاهتمام على توفير مياه الري، بل يجب أن يشمل إدارتها بصورة متوازنة، وضمان تصريف المياه الزائدة، ومراقبة ملوحة التربة، وصيانة المنشآت بصورة دورية، فنجاح أي مشروع لاستصلاح الأراضي يرتبط بتكامل منظومة الري والصرف وجودة التنفيذ واستمرارية الصيانة.

رابعا: الاستعانة بالخبرات الوطنية و الأجنبية الفنية المتخصصة

من المفيد الاستعانة بخبراء وطنيين و دوليين، خاصة من الدول التي تمتلك خبرة واسعة في زراعة الأرز، مثل مصر والصين، لإعداد دراسات فنية وتقديم حلول عملية تتناسب مع خصوصية الأراضي الموريتانية وظروفها المناخية والمائية.
ولا ينبغي أن يقتصر الأمر على إعداد الدراسات، بل يجب أن يترافق مع نقل الخبرات، وتكوين المهندسين والفنيين، وإشراك المزارعين في تطبيق التوصيات، ومتابعة مدى الالتزام بها وقياس نتائجها ميدانيا.
كما ينبغي أن تستند التوصيات الفنية إلى التجارب المحلية والبيانات الميدانية، حتى لا يجري استنساخ نماذج زراعية من بلدان أخرى دون مراعاة اختلاف التربة والمناخ والموارد المائية والظروف الاقتصادية والاجتماعية للمزارعين.

خامسا: التوسع في زراعة الأرز واستصلاح مناطق جديدة

من الناحية الاستراتيجية، تحتاج زراعة الأرز إلى التوسع نحو بقية مناطق ضفة نهر السينغال، في ولايات لبراكنه وغورغول وكيدي ماغا ، فما تزال مساحات واسعة في هذه المناطق غير مستصلحة، بسبب نقص الوسائل والإمكانات، وتعقيدات الملكية العقارية، وبعض العوائق المرتبطة بعقلية المزارعين وأساليبهم التقليدية في استغلال الأراضي.
ويتطلب تجاوز هذه الصعوبات ورشة وطنية كبيرة، وتدخلا جادا من الدولة لتذليل العقبات العقارية والفنية والتمويلية، وتهيئة الظروف الملائمة لتوسع زراعة الأرز في هذه المناطق، مع إشراك السكان والمزارعين في تحديد الأولويات وضمان استفادتهم من مشاريع الاستصلاح.
ففي مناطق شمامة، توجد مساحات معتبرة تقع في مواقع مناسبة للآنتاج والتسويق كقربها من الطرق المعبدة لكنها تعاني من انتشار الأعشاب الضارة والملوحة وغيرها من المشكلات التي تراكمت بعد عقود من الزراعة ، وهذا يستدعي التفكير في توسعات جديدة تقوم على أسس فنية سليمة، مع إعادة تأهيل الأراضي المتضررة وتحسين التربة، وإنشاء شبكات فعالة للصرف، وتطوير قنوات الري، خاصة القنوات المبنية بالإسمنت، بما يضمن استدامة المنشآت وكفاءة استخدامها.
فمن المؤسف أن بعض عمليات الاستصلاح الزراعي التي كلفت الدولة مليارات الأوقية انتهت إلى التعطل أو الانهيار، أو أصبحت أجزاء منها غير صالحة للاستغلال بسبب انتشار الأعشاب الضارة والشجيرات المائية كالتيفا، فضلا عن مشكلات أخرى كان بالإمكان الحد منها من خلال الدراسات الجيدة والتنفيذ المحكم والصيانة المستمرة.
ومن هنا، فإن التوسع في المساحات المزروعة ينبغي أن يسير بالتوازي مع إصلاح الأراضي القديمة وتأهيلها، وتقييم المشاريع السابقة، وتحديد أسباب تعثرها، وضمان جودة الدراسات والتنفيذ قبل ضخ استثمارات جديدة. فالهدف ليس استصلاح مساحات إضافية فحسب، بل إنشاء منظومة زراعية مستدامة تحقق مردودية اقتصادية حقيقية على المدى الطويل.

سادسا: تطوير التسويق والتصنيع وتوسيع الأسواق واستغلال طرق البلاد الجديدة

إن التوسع في إنتاج الأرز يتطلب بالضرورة تطوير منظومة التسويق والتصنيع، من خلال إنشاء مزيد من مصانع تقشير الأرز وفق أسس فنية واقتصادية سليمة، وتوزيعها بصورة مدروسة بما يخدم مناطق الإنتاج الحالية والمستقبلية، خاصة في لبراكنه وغورغول وكيدي ماغا.
ويجب أن يواكب التوسع في الإنتاج تطوير قدرات التخزين والتجفيف والتقشير والتعبئة، وتحسين جودة الأرز المحلي وقدرته على المنافسة، مع دراسة احتياجات السوق وتكاليف الإنتاج والنقل والتصنيع، حتى لا يؤدي ارتفاع الإنتاج إلى صعوبات في التسويق أو تراكم المخزون.
كما ينبغي الاستفادة من شبكة الطرق التي أصبحت تربط مناطق البلاد دون الحاجة إلى المرور بالعاصمة انواكشوط، ومن بينها طريق ألاك كيهيدي وطريق كيهيدي–مونغل مرورا بباركيول في اتجاه كيفه وطريق سيلبابي–غوراي إضافة إلى الطريق المرتقب بين سيلبابي وولد ينجه وكنكوصة.
ومن شأن هذه الطرق أن تسهل نقل الأرز ومدخلات الإنتاج، وتخفض تكاليف النقل، وتفتح أسواقا جديدة أمام المنتج الوطني، بما في ذلك أسواق الحوضين والعصابة وتكانت وآدرار وتيرس، مع تعزيز الربط بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك والتصنيع.
فكلما اتسعت رقعة تسويق الأرز الموريتاني، وتراجعت تكاليف نقله وتوزيعه، ازدادت فرصته في المنافسة وتعززت الجدوى الاقتصادية للاستثمار فيه، كما أن تطوير شبكة التسويق سيساعد على ربط مناطق الإنتاج الجديدة بالمصانع والمستهلكين، ويجعل التوسع نحو الولايات الداخلية أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية.

سابعا: تخفيف الأعباء الجمركية وإنشاء هيئة عليا لزراعة الأرز

من الضروري أيضا مراجعة الأعباء الجمركية والرسوم التي تثقل كاهل المستثمرين والمزارعين، ودراسة سبل تخفيفها على المعدات والمدخلات الضرورية للإنتاج والتصنيع، بما يعزز القدرة التنافسية للقطاع، مع مراعاة مصالح الدولة ومتطلبات حماية الإنتاج الوطني.
كما أقترح إنشاء هيئة عليا أو مجلس وطني لزراعة الأرز، يضم ممثلين عن الدولة والمستثمرين واتحادية الزراعة ونقابة المهندسين الزراعيين، إلى جانب الخبراء والفاعلين الآخرين في القطاع.
وتتولى هذه الهيئة تنسيق الجهود، ومتابعة مختلف مراحل الإنتاج والتصنيع والتسويق، ورصد الاختلالات واقتراح الحلول المناسبة، والعمل على تنفيذ استراتيجية وطنية واضحة لتطوير زراعة الأرز.
ومن المهم أن تعقد هذه الهيئة مؤتمرا سنويا يشارك فيه مختلف الفاعلين، تعرض خلاله حصيلة الموسم الزراعي بكل شفافية، وتحدد بوضوح العراقيل الفنية والمالية والعقارية والتسويقية، وتناقش الحلول المقترحة، وتقيم النتائج المحققة ومدى تنفيذ التوصيات السابقة.
كما ينبغي أن تتيح هذه الآلية مشاركة حقيقية للقطاع الخاص والمزارعين والمهندسين الزراعيين، وأن تعمل على توفير البيانات المتعلقة بالإنتاج والتكاليف والأسعار والتسويق، بما يساعد على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة، بعيدا عن التقديرات غير المدعومة بالبيانات.
إن وجود إطار مؤسسي يجمع الدولة والقطاع الخاص والخبرات الفنية من شأنه أن يعزز الشفافية، ويحسن التنسيق، ويجعل القرارات المتعلقة بزراعة الأرز أكثر استجابة لاحتياجات الميدان.

خلاصة : نحو استراتيجية متكاملة ومستدامة

إن زراعة الأرز في موريتانيا قطعت أشواطا مهمة، وأصبحت تمتلك قاعدة إنتاجية وصناعية تستحق البناء عليها، غير أن الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة، تجمع بين إصلاح قطاع البذور، وتحسين التربة، ومكافحة الملوحة والأعشاب الضارة، وترشيد استخدام المياه، وتطوير البنية التحتية، والتوسع المدروس في المساحات الزراعية، وتعزيز التصنيع والتسويق، وتخفيف الأعباء عن المنتجين.
كما أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب تقييما موضوعيا للمشاريع السابقة، والاستفادة من التجارب والخبرات الدولية، وتفعيل التنسيق بين الدولة والقطاع الخاص والمزارعين والمهندسين الزراعيين.
فالغاية ليست مجرد زيادة المساحات المزروعة أو كميات الإنتاج، بل بناء قطاع أرز تنافسي ومستدام، قادر على تلبية حاجات السوق الوطنية، وتقليص التكاليف، وتحسين دخل المزارعين، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج الموريتاني، وتعزيز الأمن الغذائي للبلاد.
إن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من الدعم المتفرق إلى التخطيط المتكامل، ومن الاستصلاح الذي قد تتعطل منشآته بعد سنوات إلى استصلاح مستدام، ومن زيادة الإنتاج وحدها إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ بالبذور وتنتهي بوصول منتج عالي الجودة إلى المستهلك.
وهذا ما يجعل الاستراتيجية المرتقبة فرصة مهمة لوضع أسس نهضة حقيقية لزراعة الأرز في موريتانيا، شريطة أن تكون واقعية، وقابلة للتنفيذ، ومبنية على تشخيص دقيق للمشكلات، ومصحوبة بآليات واضحة للتمويل .

لمهابه ولد بَلآل/ مهندس زراعي وموظف بوزارة الزراعة والسيادة الغذائية الموريتانية.