
الريادة:يترقب المستثمرون وصناع القرار المالي في شتى أنحاء العالم، الأربعاء، الكشف عن تفاصيل محضر الاجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
ويخيم على الأوساط المالية من نيويورك إلى لندن وطوكيو أجواء من الحذر والترقب ، بحثاً عن معطيات جوهرية تفكك كواليس النقاشات الداخلية وتوضح مواقف أعضاء البنك المركزي تجاه معضلة التضخم المستعصي ومستقبل أسعار الفائدة.
وتكتسب وثيقة الفيدرالي ثقلاً استثنائياً في الأوساط الاقتصادية كونها تعكس الملامح الأولى للتحول النقدي تحت القيادة الجديدة لرئيس مجلس إدارة الفيدرالي، كيفين وارش، الذي تسلم منصبه مؤخراً ليعيد رسم التوجهات المالية العالمية.
مسار التيسير وعودة الصقور
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قرر بالاجماع في اجتماعه المنعقد في سبتمبر الماضي، رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4.00%. ومثّل هذا القرار نقطة تحول جوهرية، كونه أول عملية رفع لأسعار الفائدة منذ ثلاث سنوات، وجاء لينهي حقبة قصيرة من التيسير النقدية أواخر 2025.
وتكمن المفارقة التاريخية في أن تعيين كيفين وارش من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يحمل في طياته توقعات بتبني سياسات ميسرة وخفض الفائدة، إلا أن البيانات الاقتصادية فرضت واقعاً مغايراً؛ إذ قفزت معدلات التضخم (مؤشر أسعار المستهلكين ومؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي) إلى مستويات تؤرق صناع السياسة، مدفوعةً بصدمات المعروض، وتمرير تكاليف الرسوم الجمركية، فضلاً عن الطفرة الهائلة في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وعلاوة على ذلك، اتخذ وارش منحىً متشدداً وغير تقليدي، إذ رفض تقديم توقعات فردية لأسعار الفائدة، معلناً صراحة في مؤتمره الصحافي الأخير أنه ليس في مجال تقديم التوجيهات المستقبلية. ودفع الغموض المتعمد، المؤسسات الماليّة للتعلق بالمحضر كأداة وحيدة لتفكيك شيفرة التوجهات المقبلة.
تضارب البيانات الاقتصادية
ويصدر المحضر في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي حزمة من البيانات المتناقضة التي تزيد من تعقيد الحسابات النقدية، إذ استمرت الضغوط السعرية الأساسية بالتصاعد، مدعومة ببقاء أسعار النفط الخام (مزيج برنت) عند حاجز الـ100 دولار تقريباً للبرميل نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومخاطر اتساع الصراع الإقليمي.
وعلى الجانب الآخر، منحت بيانات التوظيف الأخيرة الفيدرالي مساحة نسبية للتنفس؛ إذ جاء تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر سبتمبر مخيباً للتوقعات بإضافة 29 ألف وظيفة فقط مقارنة بتقديرات ناهزت 90 ألفاً، بالتزامن مع استقرار معدل البطالة عند 4.2% ونمو فاتر في الأجور.
ودفعت هذه المعطيات بمسؤولي الفيدرالي، وفي مقدمتهم رئيس بنك نيويورك الاحتياطي جون ويليامز، ونائب رئيس الفيدرالي فيليب جيفيرسون، إلى إرسال إشارات تهدئة للأسواق تفيد بعدم وجود حاجة ملحة أو استعجال لاتخاذ قرار فوري برفع الفائدة في اجتماع أكتوبر القريب، مفضلين التريث ومراقبة البيانات.
في المقابل، يرى معسكر الصقور، مثل رئيس فيدرالي شيكاغو أوستن جولسبي، أن إبقاء التضخم فوق مستهدف 2% لفترة طويلة يشبه اللعب بالنار وقد يستدعي تشديداً إضافياً حاسماً.
بورصة التوقعات
تشهد أروقة وول ستريت والمراكز المالية الكبرى انقساماً حول ما سيكشفه المحضر وما سيؤول إليه مسار الفائدة قبل نهاية العام الجاري.
وفي هذا الصدد، ترى مجموعة غولدمان ساكس أن الفيدرالي يولي الأولوية القصوى لكبح جماح التضخم الأساسي، وتتوقع أن يظهر المحضر نبرة حازمة تعزز احتمال رفع الفائدة مرة أخرى في أكتوبر أو ديسمبر قبل نهاية العام.
أما بنك أوف أمريكا فيعد الأكثر تشدداً بين الكبار؛ إذ يرى أن مرونة الاقتصاد وضغوط الكلفة الهيكلية ستجبر إدارة وارش على تفعيل زيادة إضافية بمقدار 50 نقطة أساس بحلول نهاية العام، مقسمة بين اجتماعي أكتوبر وديسمبر.
وفي المقابل، تفضل مؤسسات أخرى مثل مورغان ستانلي وباركليز سيناريو التثبيت في أكتوبر وتأجيل الرفع إلى ديسمبر، استناداً إلى البيانات الأخيرة لفرص العمل الفاترة، حيث ترى أن الفيدرالي سيميل إلى خيار الانتظار والتقييم لتجنب الإفراط في التشديد.
ومن جهتها، تُجمع أدوات قياس العقود الآجلة ومنصات الأسواق الاستشرافية مثل بولي ماركت وسي إم إي فيد ووتش على أن الأسواق نجحت في تسعير الخروج من صدمة أكتوبر، حيث تشير التقديرات إلى نسبة تتراوح بين 80% و86%% لصالح التثبيت، مع تحويل الرهانات بنسبة تزيد عن 81% نحو اجتماع ديسمبر كموعد للتحرك التشديدي القادم.
النقاط الساخنة في المحضر
ويتطلع المحللون في المؤسسات الاستثمارية العالمية الكبرى إلى تفكيك لغويات المحضر بدقة، وسيتركز البحث حول مصطلحات التوافق لقياس مدى اتساع الفجوة والانقسام الداخلي بين اعضاء الفيدرالي.
بالإضافة إلى ذلك، تترقب الصناديق الاستثمارية أي إشارات تتعلق بإعادة تسعير الأصول على نطاق واسع، لا سيما بعد التحذيرات السابقة من مخاطر حدوث تصحيح عنيف في أسواق الأسهم والشركات التكنولوجية المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي في حال تباطأت ربحيتها أو واجهت تكاليف تمويل باهظة ومستدامة.
وعلى صعيد السندات، تقبع عوائد الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات عند مستويات قياسية قرب 5.24% وهي الأعلى منذ عقدين؛ ما يعني أن أي نبرة تشديدية غير متوقعة في طيات المحضر قد تدفع بهذه العوائد نحو الأعلى وتزيد من قوة الدولار الأمريكي الذي يستقر مؤشره عند 102.3 نقطة، وهو ما سيفرض ضغوطاً متجددة على أسواق الأسهم الناشئة والسلع المقومة بالدولار كالذهب الذي يراوح بدوره عند مستويات 4142 دولاراً للأوقية.
بوصلة حاسمة
ولم يعد محضر الفيدرالي مجرد وثيقة لمراجعة أحداث الماضي، بل تحول إلى بوصلة حاسمة لإدارة التوقعات في ظل نهج وارش التواصلي المتشدد والمقتضب.
وفي ظل المعطيات السابقة، فإن الأربعاء، لن يحمل فقط ملامح السياسة النقدية الأمريكية، بل سيعيد رسم خريطة تدفقات رؤوس الأموال العالمية؛ فإما تأكيد على سيناريو التريث الحذر الذي يمنح الأسواق قبلة حياة حتى نهاية العام، أو إيقاظ مخاوف التشديد التي قد تدفع بأسواق المال والائتمان إلى جولة جديدة من التقلبات العنيفة.




