ملف المدونين .. ابتزاز مالي أم صراع في الفضاء الإعلامي؟

الريادة: تتفاعل في العاصمة نواكشوط منذ أيام قضية أمنية وقضائية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد توقيف عدد من المدونين وأشخاص آخرين في ملف تقول السلطات إنه يرتبط بشبكة للابتزاز المالي والتشهير والتهديد، بينما يرى بعض المعنيين بالملف أن القضية تحمل أبعاداً سياسية وإعلامية تتجاوز ما أعلنته الجهات الرسمية.

وبدأت خيوط القضية بالظهور مع توقيف عبد الرحمن ولد أكماش وشقيقته أم  تبيب بنت أكماش، وهما شقيقا المدون سيدي محمد ولد أكماش المقيم في الولايات المتحدة، قبل أن تتسع دائرة التحقيقات لتشمل أشخاصاً آخرين، من بينهم صاحب مكتب للصرافة محمد فال محمد الأمين الخلف، وسط حديث عن تحريات تتعلق بحركة تحويلات مالية بين عدد من الأطراف.

وفي أول رواية رسمية بشأن القضية، أعلن وزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة الحسين ولد مدو أن السلطات تمكنت من تفكيك ما وصفها بـ”شبكة للابتزاز المالي”، مشيراً إلى توقيف ستة أشخاص في إطار العملية، مع احتمال ارتفاع العدد مع تقدم التحقيقات. وربط الوزير القضية، وفق الرواية الرسمية، بممارسات تشمل نشر الأخبار الكاذبة والتشهير والتهديد والابتزاز وشراء الصمت، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها حتى الآن حكم قضائي نهائي.

ومع اتساع التحقيقات، تحدثت مصادر إعلامية عن ارتفاع عدد الموقوفين إلى نحو عشرة أشخاص، في وقت ظل الرقم الذي أعلنته السلطات رسمياً عند ستة موقوفين في التصريحات الأولى. كما برز اسم الصحفي الحسن ولد لبات ضمن الموقوفين، في سياق التحقيقات المتعلقة بتتبع حركة الأموال، وسط معطيات تربط اسمه بأنشطة تسويقية لصالح خدمة “بنكيلي” التابعة للبنك الشعبي الموريتاني.

ولا تبدو القضية مرتبطة بالجانب الإعلامي وحده، إذ تشكل التحويلات المالية أحد أبرز محاور التحقيقات الجارية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الأموال المتداولة بين الأشخاص الذين شملتهم التحقيقات، وما إذا كانت مرتبطة فعلاً بعمليات ابتزاز أو أن الأمر يتعلق بمعاملات مالية لها سياقات أخرى.

وفي هذا السياق، يصبح إثبات الصلة بين التحويل المالي والفعل الجرمي نقطة أساسية في القضية؛ فوجود تحويلات مالية، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات جريمة ابتزاز ما لم تتمكن جهات التحقيق من تحديد مصدر الأموال ووجهتها وطبيعة العلاقة بين أطرافها، وإثبات ارتباطها المباشر بتهديد أو ضغط أو طلب مقابل مالي نظير وقف نشر محتوى معين.

وتتخذ القضية بعداً آخر مع دخول الدفاع على الخط، إذ قال المحامي يعقوب السيف إن هيئة الدفاع مُنعت من التواصل مع عبد الرحمن ولد أكماش وشقيقته طبيبة بنت أكماش، وهو ما يثير بدوره أسئلة حول ظروف التوقيف وضمانات الدفاع وحقوق الموقوفين خلال مراحل البحث والتحقيق.

في المقابل، نفى المدون سيدي محمد ولد أكماش أي علاقة له أو لأسرته بعمليات ابتزاز، وقال إن استهداف أفراد من عائلته يأتي، من وجهة نظره، في سياق الضغط عليه بسبب نشاطه الإعلامي ومواقفه الناقدة. وتبقى هذه الرواية، شأنها شأن الرواية الرسمية، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات وما قد يقدمه الادعاء من أدلة أمام القضاء.

وتضع هذه التطورات الملف أمام مسارين متداخلين؛ أولهما المسار القضائي الذي يفترض أن يحدد طبيعة الأفعال المنسوبة إلى الموقوفين ومدى توافر الأدلة عليها، وثانيهما النقاش الإعلامي والسياسي الذي جعل القضية تتجاوز حدود الاتهامات الجنائية إلى أسئلة أوسع بشأن العلاقة بين نشاط المدونين والسلطات، وحدود النقد الإعلامي، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الصراعات السياسية.

وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن جزءاً من الوقائع المتداولة لا يزال يستند إلى تصريحات رسمية أو مصادر إعلامية وروايات أطراف القضية، في حين لم يصدر بعد حكم قضائي يثبت التهم المنسوبة إلى الموقوفين. ومن ثم، فإن وصف القضية بأنها “شبكة ابتزاز” يظل، في هذه المرحلة، توصيفاً وارداً في الرواية الرسمية، وليس حقيقة قضائية نهائية.

وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن شبكة للابتزاز، والروايات المقابلة التي ترى في الملف امتداداً لصراع سياسي وإعلامي، تبقى تفاصيل القضية مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات وما سيقدمه أطرافها من أدلة، قبل أن يقول القضاء كلمته في الوقائع والتهم والمسؤوليات.

إعداد : بلال عالي أعمر لعبيد