
الريادة: ليست كل الأيام متشابهة في دفتر التاريخ؛ فبعضها يمرّ عابرًا، وبعضها يفتح صفحات كاملة من التحولات السياسية، حين تكون الدول في طور التأسيس، والشعوب في مواجهة أنظمة قديمة، والعالم يعيش على وقع صراعات كبرى تهدد بتغيير موازين القوى.
وفي السادس والعشرين من سبتمبر، تتقاطع في الذاكرة محطات موريتانية وعربية وإفريقية ودولية؛ تبدأ من نواكشوط سنة 1960، حيث كانت البلاد تعيش أسابيعها الأخيرة قبل إعلان الاستقلال وسط صراع سياسي حول شكل الدولة ومستقبلها، وتمتد إلى اليمن، حيث أطاحت ثورة عسكرية بالنظام الإمامي وأعلنت الجمهورية، ثم إلى نيويورك وواشنطن، حيث شهد اليوم نفسه خطابًا شهيرًا لفيدل كاسترو وأول مناظرة رئاسية أمريكية تُبث تلفزيونيًا.
وفي الخلفية، تحضر محطة أكثر إثارة للقلق؛ ففي 26 سبتمبر 1983، كاد إنذار نووي خاطئ أن يدفع العالم إلى مواجهة كارثية، بينما أصبح التاريخ نفسه بعد عقود يومًا دوليًا للدعوة إلى التخلص الكامل من الأسلحة النووية.
وهكذا يكشف السادس والعشرون من سبتمبر عن خيط واحد يصل بين أزمنة وأماكن مختلفة: شعوبٌ تبحث عن السيادة، وأنظمةٌ تسقط تحت ضغط الثورات، وقادةٌ يتنافسون على صياغة المستقبل، وعالمٌ يكتشف أن بقاءه قد يتوقف أحيانًا على قرارٍ واحد.
1960.. نواكشوط تشهد تحركًا سياسيًا قبل الاستقلال
في 26 سبتمبر 1960، كانت موريتانيا تقف على بعد أسابيع قليلة من إعلان استقلالها عن فرنسا، المقرر في 28 نوفمبر من العام نفسه.
وفي نواكشوط، شهد ذلك اليوم تجمعًا لأنصار حزب النهضة، في مرحلة كانت فيها البلاد تعيش تجاذبًا سياسيًا حادًا حول مستقبل الدولة الوليدة، وعلاقتها بفرنسا، وموقفها من المطالب المغربية بشأن موريتانيا.
وتشير مصادر تاريخية عن تلك المرحلة إلى أن تجمع النهضة في نواكشوط جاء في سياق تحركات سياسية متصاعدة، قبل أن تتخذ الحكومة الموريتانية بعد أيام خطوات تجاه الحزب وحركات سياسية أخرى.
لم تكن المسألة مجرد خلاف حزبي؛ فقد كانت موريتانيا تعيش آنذاك لحظة تأسيسية بكل معنى الكلمة.
ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تستعد لإعلان استقلالها، كان السؤال حول شكل الدولة وحدود ولائها السياسي حاضرًا بقوة؛ هل تكون موريتانيا دولة مستقلة ذات سيادة، أم تدخل ضمن تصور إقليمي أوسع؟
وكانت تلك الأسئلة تعكس طبيعة المرحلة التي عاشتها دول غرب إفريقيا خلال عام 1960، الذي شهد موجة واسعة من الاستقلالات، لكنه شهد في الوقت نفسه صراعات حول حدود الدول الجديدة واتجاهاتها السياسية.
وهكذا كان 26 سبتمبر 1960 واحدًا من الأيام التي تكشف أن الاستقلال لم يكن مجرد إعلان رسمي، بل كان أيضًا معركة سياسية حول هوية الدولة ومن يملك حق تحديد مستقبلها.
1962.. ثورة اليمن تسقط الإمامة وتعلن الجمهورية
وبعد عامين، انتقلت ذاكرة السادس والعشرين من سبتمبر إلى اليمن.
ففي 26 سبتمبر 1962، أطاح الجيش اليمني بالإمام محمد البدر، الذي كان قد تولى الحكم قبل أيام فقط عقب وفاة والده الإمام أحمد، وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية بقيادة عبد الله السلال.
وتؤكد وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن قيادة الجيش اليمني أطاحت بالإمام البدر في ذلك اليوم، وألغت النظام الملكي وأعلنت قيام «جمهورية حرة».
لكن إعلان الجمهورية لم يضع حدًا للصراع.
فالإمام البدر تمكن من الفرار، ثم التف حوله أنصار النظام الملكي، لتندلع حرب أهلية استمرت سنوات، وتحولت تدريجيًا إلى صراع إقليمي، مع تدخل مصر والسعودية وقوى أخرى.
وتصف الأمم المتحدة تلك الحرب بأنها نزاع اندلع في سبتمبر 1962 واكتسب أبعادًا دولية بسبب التدخلات الخارجية، قبل أن تنخرط المنظمة الدولية في جهود للمراقبة والتهدئة.
وبذلك أصبح 26 سبتمبر في الذاكرة اليمنية رمزًا للجمهورية والثورة، لكنه في الوقت نفسه يذكّر بثمن التحولات السياسية حين تتحول المنافسة على شكل الدولة إلى حرب طويلة.
1960.. كاسترو يخاطب العالم من منصة الأمم المتحدة
وفي اليوم نفسه من عام 1960، كانت نيويورك تستقبل حدثًا آخر يعكس حجم التحولات السياسية التي شهدها العالم في تلك المرحلة.
ففي 26 سبتمبر 1960، ألقى الزعيم الكوبي فيدل كاسترو خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد أشهر من الثورة الكوبية وتوتر علاقات هافانا مع الولايات المتحدة.
وتوثق جمعية ويسكونسن التاريخية تسجيل الخطاب الذي ألقاه كاسترو أمام الأمم المتحدة في ذلك التاريخ، وهو تسجيل يمتد لأكثر من ثلاث ساعات.
كان الخطاب جزءًا من مواجهة سياسية وإيديولوجية أوسع، في ذروة الحرب الباردة، حيث كانت قضايا الاستعمار والاستقلال والسيادة الاقتصادية والتدخل الخارجي حاضرة بقوة على أجندة الدول حديثة الاستقلال.
ولم يكن حضور كاسترو في الأمم المتحدة مجرد خطاب لرئيس حكومة؛ بل كان تعبيرًا عن صعود أصوات جديدة في النظام الدولي، أصوات الدول الثورية والنامية التي كانت تريد إعادة تعريف العلاقة بين الدول الكبرى والعالم الثالث.
1960.. أول مناظرة رئاسية تلفزيونية تغيّر السياسة الأمريكية
وفي المساء نفسه تقريبًا، كان حدث آخر يجري في الولايات المتحدة، لكنه سيغير طريقة إدارة الحملات الانتخابية حول العالم.
ففي 26 سبتمبر 1960، التقى المرشح الديمقراطي جون كينيدي ونائب الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون في أول مناظرة رئاسية أمريكية تُبث مباشرة عبر التلفزيون.
وجرت المناظرة في استوديو بمدينة شيكاغو، وناقش المرشحان خلالها قضايا السياسة الداخلية الأمريكية. وتعدها مصادر تاريخية محطة مفصلية في تاريخ السياسة الأمريكية، لأنها أدخلت الصورة التلفزيونية والحضور أمام الكاميرا بقوة إلى المنافسة السياسية.
وأصبح ذلك اليوم شاهدًا على بداية عصر جديد في السياسة: لم يعد السياسي يخاطب الناخب بالكلمة فقط، بل أصبح مظهره وحضوره أمام الكاميرا جزءًا من المعركة الانتخابية.
وكان كينيدي، بحسب الرواية التاريخية الشائعة، أكثر ارتياحًا أمام الكاميرا، بينما بدا نيكسون أكثر توترًا، وهي عوامل ساهمت في تشكيل الانطباع العام عن المناظرة.
1983.. يومٌ كاد فيه إنذار خاطئ أن يقود إلى حرب نووية
لكن أكثر محطات السادس والعشرين من سبتمبر إثارة للقلق ربما جاءت في 26 سبتمبر 1983، خلال واحدة من أكثر فترات الحرب الباردة توترًا.
في ذلك اليوم، أطلق نظام الإنذار النووي السوفييتي إنذارًا أفاد بوجود صواريخ أمريكية قادمة نحو الاتحاد السوفييتي.
وكان الضابط السوفييتي ستانيسلاف بيتروف مسؤولًا عن مركز المراقبة عندما ظهر الإنذار.
وبدل أن يتعامل معه باعتباره هجومًا حقيقيًا، شكّ بيتروف في صحة النظام، وقرر الانتظار وعدم رفع الإنذار باعتباره هجومًا أمريكيًا مؤكدًا. وتبين لاحقًا أن الإنذار كان خاطئًا، وأن النظام التقط انعكاسًا ضوئيًا أدى إلى تفسير خاطئ للإشارة.
وقد أصبحت الحادثة واحدة من أشهر قصص الحرب الباردة؛ لأنها أظهرت مدى خطورة الأنظمة النووية في عالم يمكن أن تؤدي فيه معلومة خاطئة أو قراءة خاطئة لإشارة إلكترونية إلى كارثة عالمية.
لم يكن بيتروف يعرف آنذاك أن قراره سيصبح جزءًا من التاريخ، لكنه أصبح لاحقًا رمزًا للمسؤولية الفردية في مواجهة أخطر أسلحة عرفتها البشرية.
2013.. السادس والعشرون من سبتمبر يصبح يومًا عالميًا لنزع السلاح النووي
وبعد ثلاثين عامًا من حادثة بيتروف، حمل التاريخ نفسه معنى مختلفًا على منصة الأمم المتحدة.
ففي 26 سبتمبر 2013، عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أول اجتماع رفيع المستوى مخصص لنزع السلاح النووي.
وفي أعقاب ذلك، أعلنت الجمعية العامة السادس والعشرين من سبتمبر اليوم الدولي للإزالة الكاملة للأسلحة النووية، بموجب القرار 68/32.
ويهدف هذا اليوم إلى رفع الوعي بالمخاطر التي تمثلها الأسلحة النووية، وتجديد الالتزام الدولي بالسعي إلى عالم خالٍ منها.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن نزع السلاح النووي يمثل إحدى أولوياتها الكبرى في مجال نزع السلاح، وأن الاجتماع الذي عقد في 26 سبتمبر 2013 جاء ضمن مسار طويل من الجهود الدولية للتعامل مع خطر الأسلحة النووية.
وهنا تبدو المفارقة التاريخية واضحة: اليوم الذي شهد إنذارًا نوويًا كاد أن يقود إلى كارثة أصبح لاحقًا يومًا عالميًا للتذكير بضرورة التخلص من الأسلحة التي تجعل مثل هذه الكارثة ممكنة.
1687.. البارثينون يتحول إلى ضحية للحرب
وفي طبقة أقدم من الذاكرة، يعود السادس والعشرون من سبتمبر إلى عام 1687، عندما أصابت قذيفة البارثينون في أثينا، الذي كان العثمانيون يستخدمونه مخزنًا للبارود أثناء الحرب مع البندقية.
وأدى الانفجار إلى تدمير جزء كبير من المبنى التاريخي.
وبقيت الحادثة مثالًا صارخًا على الكلفة التي يمكن أن تدفعها المعالم الثقافية عندما تتحول المدن إلى ساحات للحروب.
1907.. نيوزيلندا تنتقل إلى وضع «الدومينيون»
وفي 26 سبتمبر 1907، حصلت نيوزيلندا على وضع «دومينيون» داخل الإمبراطورية البريطانية، في خطوة عكست تطور العلاقة بين المستعمرات البريطانية وحكومة لندن.
وكان ذلك جزءًا من مسار تدريجي شهدته مستعمرات أخرى في الإمبراطورية، انتهى لاحقًا إلى استقلالات كاملة وتغيرات واسعة في النظام الدولي.
26 سبتمبر.. يومٌ من الاستقلال إلى الثورة، ومن السياسة إلى الخطر النووي
من نواكشوط سنة 1960، حيث كانت موريتانيا تقترب من لحظة الاستقلال وتعيش صراعًا حول شكل الدولة ومستقبلها، إلى صنعاء سنة 1962، حيث أسقطت الثورة النظام الإمامي وأعلنت الجمهورية، يمتد خيط من تاريخ الشعوب الباحثة عن حقها في تقرير مصيرها.
وفي نيويورك، كان كاسترو يخاطب عالمًا يتغير، بينما كانت كاميرات التلفزيون في شيكاغو تنقل السياسة الأمريكية إلى ملايين المنازل.
ثم جاء 26 سبتمبر 1983 ليكشف الوجه الأكثر خطورة لصراع القوى الكبرى، حين كاد إنذار خاطئ أن يدفع العالم إلى حافة حرب نووية.
وبعد ثلاثة عقود، عاد التاريخ نفسه ليحمل رسالة معاكسة: أن البشرية لا ينبغي أن تكتفي بتجنب الحرب، بل عليها أن تسعى إلى إزالة الأدوات التي تجعل نهايتها ممكنة.
إنها ذاكرة السادس والعشرين من سبتمبر؛ يومٌ تتجاور فيه حكايات الاستقلال والثورة، والسياسة والإعلام، والحرب والسلام، ليذكّرنا بأن التاريخ لا يصنعه القادة والجيوش وحدهم، بل تصنعه أيضًا قرارات الأفراد، وإرادة الشعوب، والاختيارات التي تحدد أحيانًا مصير أجيال كاملة.




